جائحة كُرونا العالمية: هل هي من قبيل "عذاب الاستئصال"؟

صلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي سأل ربه فقال: ""وإني سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنَّةٍ عامة"... وحّدوا الله تعالى وكبّروه واحمدوه، ولقد أجاب: "وإني أعطيتك لأمَّتك أن لا أهلكهم بسنَّة عامَّة"؟
*******
لم تشهد البشرية في تاريخها المعاصر منذ قرون "تهديدا" شاملاً عامًّا بهذا الحجم الهائل؛ وحتى ما سمي الحرب العالمية الأولى والثانية، لم تكونا بهذا الامتداد الكوني العالمي، فكثير من البلاد بقيت خارج الحرب وآثارها؛ كما لم تشهد البشرية عبر تاريخها انتشارا للمعلومات، وللبضائع، وللمخاطر، وللفرص، وللاهتمامات، وللمُتَع، وللأذواق... بهذا الحجم الشمولي العالمي الكبير.
وحقَّ للبعض اليومَ، أن يسأل: 
هل تحوُّل وباء كُرونا إلى جائحة عالمية يعني أنه "عذابَ استئصالٍ"؟
*******
قبل تعريف "عذاب الاستئصال" نمثل له بما ورد في القرآن الكريم، مما جاء على لسان سيدنا شعيب عليه السلام، وهو يحذّر قومه أنهم إذا تمادوا في ضلالهم سينزل بهم "عذاب الاستئصال"؛ فمثَّل بأقوام سابقين، وقال: "ويا قوم، لا يجرمنَّكم شقاقي أن يصيبَكم مثلُ ما أصاب قومَ نوحٍ، أو قومَ هودٍ، أو قومَ صالحٍ، وما قوم لوطٍ منكم ببعيد" (سورة هود)
والذي أصاب قومَ نوحٍ هو &الطوفان، قال تعالى: "فأخذهم الطوفان وهم ظالمون".
والذي أصاب عادًا، قومَ هودٍ، هو الريح، قال تعالى: "وأمَّا عادٌ فأهلكوا بريح صرصر عاتية، سخَّرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام حُسومًا"، .
والذي أصاب ثمود، قومُ صالحٍ، هو الصاعقة من السماء، قال تعالى: "فأخذتهم صاعقة العذاب الهون".
والذي أهلك قوم لوطٍ، هو الصيحة، قال تعالى: "فأخذتهم الصيحة مشرقين"، وقال: "فلمَّا جاء أمرنا جعلنا عاليَها سافلها، وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود".
وأمَّا شعيب فقد حذَّر قومه، قومَ مدين؛ كما ورد في الآية السالفة؛ فظلموا وكان عذابهم الصيحة، قال تعالى: "وأخذت الذين ظلموا الصيحة، فأصبحوا في ديارهم جاثمين‏".
ولقد أجمع العلماء أنَّ عذاب الاستئصال يكون بشروط منها:
أولا- أن يستنفد النبيء دعوته للناس جميعًا، ويقيم عليهم الحجَّة كلَّهم، ولا يبقى أحدٌ لم تقم عليه الحجَّة.
ثانيا- أن يبلغ صاحب الدعوة مرحلةَ اليأس والقنوط من قومه، قال تعالى: "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذّبوا جاءهم نصرنا، فننجي من نشاء، ولا يردُّ بأسنا عن القوم المجرمين".
ثالثا- أنَّ جميع المكذّبين يهلَكون، ولا يبقى منهم أحدٌ، ومثال ذلك ابن نوح  حين ظنَّ أنه سينجو قال: "سآوي إلى جبل يعصمني من الماء"، أجابه نوح عليه السلام وقال: "لا عاصم اليوم من أمر الله إلاَّ من رحم"؛ ورحمة الله تعالى لا تنال المكذبين. ودليل آخر على أنَّه لا يبقى أحد من المكذبين بلا هلاكٍ، قوله تعالى للوط عليه السلام: "فاسر بأهلك بقطع من الليل، ولا يلتفت منكم أحدٌ؛ إلاَّ امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم، إنَّ موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب".
رابعا- أنَّ الله تعالى يُنجي جميع من آمن واتبع الحقَّ وأطاع الله والرسول، وكلُّ الأنبياء الذين عُذِّب قومهم "بعذاب الاستئصال" جاء في حقهم: "فلمَّا جاء أمرنا نجينا"؛ ومن ذلك: "نجينا هودا والذين آمنوا معهد"، "نجينا صالحا والذين آمنوا معه"، "نجينا شعيبا والذين آمنوا معه". 
سادسا- أن يبقى هذا العذاب عبرة للعالمين إلى يوم الدين، ولا يزول ذكرُه عن العالمين. قال تعالى عن قوم نوح عليه السلام: "فأخذهم الطوفان وهم ظالمون، فأنجيناه وأصحاب السفينة، وجعلناها آية للعالمين". ويمكن ملاحظة أنَّ التاريخ الرسميَّ العالمي اليومَ يُلغي من منهجه التربوي "العبرة" بالأمم السالفة، ويُبعد تاريخ النبوات؛ ليُبقي لنا تاريخا علمانيا، داروينيا، متوحّشا؛ يربي الناس على قاعدة القوة لا على أساس الحقّ.
سابعا- أن ينجّي الله تعالى من بقي مع نبيهم، ثم يرسل رُسلا آخرين من بعد ذلك، ويأمرهم بالطاعة، وينهاهم عن المعصية؛ ويرحمهم برحمته الواسعة، إلاَّ من أبى وكَّذب، وطغى وتجبَّر. ولذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم "على فترة من الرسل".
ثامنا- أنَّ من اقترف المعاصي الموجبة لعذاب الاستئصال، ومن سكتَ ولم ينهَ، جميعُهم يهلَكون؛ وينجّي الله تعالى "من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر"، نقرأ في سورة الأعراف قوله تعالى: "وإذ قالت أمَّةٌ منهم: لـمَ تعظون قوما الله مهلكُهم، أو معذّبـُهم عذابا شديدا؟. قالوا: معذرة إلى ربكم، ولعلَّهم يتقون". وكانت الخاتمة: "فلمَّا نسوا ما ذُكّروا به، أنجينا الذين ينهون عن السوءِ، وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بيسٍ، بما كانوا يفُسقون". هم ثلاث فرق: المقترفون، والساكتون، والناهون؛ ولا تكون النجاة إلاَّ من نصيب الذين "ينهون عن السوء"، أي للفريق الثالث.
*******
ولقد اتفق العلماء كذلك أنَّ عذاب الاستئصال رُفع في عهد سيدنا موسى عليه السلام، بعد أن آتاه الله تعالى الكتابَ، أي التوراةَ، ويعتبر بعض المفسّرين أنَّ آية سورة القصص دليلٌ صريح في ذلك، قال تعالى: "ولقد آتينا موسى الكتاب، من بعد ما أهلكنا القرون الاولى، بصائر للناس، وهدى ورحمة، لعلَّهم يتذكَّرون".
ولذا فإنَّ ما ورد من آيات عذّب بها قوم موسى عليه موسى، ليست من قبيل "عذاب الاستئصال"، ذلك أنه تعالى كان يرفعها عنهم كلَّ مرَّة لعلَّهم "يتقون"، ومن ذلك "الطوفان، والجراد، والقمَّل، والضفادع، والدم..."؛ وحتى هلاك فرعون وقومه، لم يكن عذابَ استئصال، لأنه لم يكن عامًّا بكلّ من كفر، بل خاصًّا بفرعون وحاشيته وجنده؛ ولا ريب أنَّ أهليهم وذرياتهم، والعجائز والضعفاء، حتى ممن لم يتبع موسى عليه السلام، بقي في داره، ولم يَهلك.
*******
بعدما فصلنا القول في مسألة "عذاب الاستئصال"، أو ما سمي كذلك "سنَّة الاستئصال"، بأسلوبٍ حاولنا فيه أن يكون تعليميًّا، توضيحيًّا، ميسَّرا؛ يبقى السؤال: 
هل وباء كرورنا العالمي اليومَ، هو من قبيل "عذاب الاستئصال"؟
للجواب نقول، والله أعلم:
لا شكَّ، ولا خلاف بين العلماء، أنَّ الله تعالى "رفع عذاب الاستئصال" عن أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم، أعني أمَّة الدعوة، لا أمَّة الاستجابة فقط؛ ذلك أنَّ كلَّ من أرسل إليه محمد عليه السلام هو من أمَّته باعتبار الدعوة، أي بلغة العصر: البشريةُ جميعُها من ساعة نزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم في غار حراء، إلى يوم القيامة؛ قال جل جلاله: "وما أرسلناك إلاَّ كافَّة للناس"، وقال: "وما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالَمين".
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرفوعا - عدَّه البعض موقوفا على أبي سعيد الخدري رضي الله عنه – أنه قال: "ما عذَّب الله قوماً ولا قرناً، ولا أمَّة، ولا أهلَ قرية منذ أنزل الله التوراة على موسى"، وفي رواية: "ما أهلكَ الله قوما بعذابٍ من السماء ولا من الأرض إلا قبلَ موسى"، ثم قرأ: "ولقد آتينا موسى الكتاب..." من سورة القصص.
وفي حديث صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الطبري، وهو صريحٌ في أنَّ الله تعالى لا يهلك أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم (البشرية جمعاء) بعذاب الاستئصال، قال عليه السلام: "وإني سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنَّةٍ عامة" وكان ذلك في جملة مما سأل به اللهَ تعالى أن يخفف على أمَّته، ثم جاءت الاستجابة من الله تعالى لنبيه الكريم، عليه السلام: "وإني أعطيتك لأمَّتك أن لا أهلكهم بسنَّة عامَّة"؟.
إذن، فهذا الوباء، وما جاء قبله من أوبئة وجوائح محلية أو عالمية، من الطاعون، والكوليرا، وإيبولا، وأنواع الانفلونزا... وغيرها؛ جميع هذه ليست من قبيل "عذاب الاستئصال"؛ وأدلَّة ذلك كثيرة:
• أنها لم تأت بسبب تحدٍّ لله تعالى في شخص نبي من أنبيائه، مثلما تحدَّى الناسُ لوطا مثلا.
• أنه لم يأت تحذيرٌ بالاستئصال من الله تعالى لهم؛ ذلك أنَّ الوحي قد انقطع، فلا يمكن لأحد أنَّ ينقل عن الله سبحانه أمرًا أو حُكمًا.
• أنَّه يصاب بها المؤمن والكافر، الظالم والمظلوم؛ ولا تخصُّ الكفار دون غيرهم.
• أنها لا بدَّ أن تنتهي إلى حالة "الشفاء" و"الدواء"، والخلاف فقط في المدَّة الزمنية، التي قد تطول وقد تقصُر، نسأل الله أن يعجّل بالفرج للناس أجمعين.
• أننا لا نستثني كونها عبرةً وذكرى، وكونها عذابا جزئيا لا كليًّا، لعلَّ المذنب يتوبُ، ولا نعتبرها استئصالا؛ فإنَّ علاقة المعاصي بالقحط، والزلازل، والأمراض، والأوبئة، والحروب... علاقةٌ وردت بنصوصٍ قطعية من قرآن كريم وسنَّة نبوية طاهرة (لعلَّ مقالا في هذا الشأن ضروري)
• أنَّ هذه العلاقة بين المعاصي والجوائح وردت بنصوص قطعية في مستوى "الصفة"، أي أنَّ "الربا" إعلانُ حربٍ على الله تعالى، وصاحبه تمحق أمواله، ولا يقوم إلاَّ كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس... ولقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن". ثم ذكر منها: "ولم يَنْقصوا المكيال والميزان إلا أخِذوا بالسنين، وشدة المؤونة، وجور السلطان عليهم" وهذه جميعها عذاب وانتقام من الله تعالى لمن عصاه وكفر به وجحد.
• لكن، لا يجوز أن نربط بين ذنبٍ معين وشخصٍ معيَّن، أي "بالتعيين"؛ فنقول مثلا: فلان فقير لأنه عصى بكذا وكذا... أو البلد الفلاني فيه مجاعة لأنَّ فيه من الذنوب كذا وكذا... أي لا يجوز "التعيين"، وليس كلُّ ما ورد بالصفة قابل لأن نحوله إلى التعيين، إلا بدليل قطعيّ، ولا دليلَ لنا قطعيٌّ. فلو قلنا مثلا: البلاد الفقيرة الفلانية أصابها القحط لأنَّ فيها من المعاصي كيت وكيت... يأتي السؤال: والبلاد الغنية الفلانية، وفيها من الموبقات ما لا يحصى، وهي السبب في هذه الكوارث، لم لم تصَب بالقحط؟ 
*******
وقبل أن أنهي المقال وقد طال، لا بدَّ من التذكير بما يلي: 
1. أنَّ الإسلام رحمةٌ وليس نقمةً. 
2. وأنَّ الله تعالى رحيم بعباده، وإذا ابتلاهم سبحانه، فهو يذكرهم "لعلَّهم يرجعون"، "لعلَّهم يتقون".
3. أنَّ الله سبحانه، كلُّ أمره حكمة، حتى لو لم ندرك الحكمة من ورائه، وهو منزَّه عن العبث: "ذكرى وما كنا ظالمين".
4. أنَّ المؤمن، والمتقي، والطائع... والضعيف، والمحتاج... جميعهم حصنٌ للبلاد، وللعالَم؛ قال عليه السلام: "مهلا عن الله مهلاً: لولا شبابٌ خشَّع، وشيوخ ركَّع، وأطفال رضَّع، وبهائم رتَّع، لصب عليكم العذاب صبا"؛ ولقد عضد هذا الحديث وقواه نصوص أخرى، من كلام الله تعالى، ومن سنة النبيء المصطفى عليه السلام.
5. وأخيرا، أنَّ الدعاء والطاعة والصدقة، ونفع العباد، ومداواة الناس، والعلم لأجل صنع الدواء، والإعلام الصادق... وكلُّ أنواع الطاعات والمبرَّات، في مثل هذه الظروف، التي تنتشر فيها الجوائح، لا ريب أنَّها تعجل بالشفاء، والله تعالى لا يردُّ سؤال السائل إذا صدق، وإذا استجاب لأمر الله تعالى؛ ويكفينا قوله: "قل ما يعبأ بكم ربي، لولا دعاؤكم، فقد كذَّبتهم، فسوف يكون لزاما". 
قال ابن عاشور: "ما يعبأ" أي "ما يبالي وما يهتمُّ... وما يكترث"؛ وقال القطب في التيسير: "أي يكون العذابُ، أو جزاء التكذيب، لزاما؛ أي ذا ملازمة... أي لا يفنى، أو يلازمكم حتى يوردكم النارَ سوقا إليها يوم القيامة". 
نسـأل الله تعالى أن يرفع عنا الغلاء، والوباء، والفتن؛ ما ظهر منها وما بطن... آمين.
محمد باباعمي، معهد المناهج

 د. محمد باباعمي

التعليقات

إضافة تعليق جديد