
حين عبرت بوابة الزمن ..
اختفيت خلف عربة عسكرية ضخمة...محاولة التقاط أنفاسي المتتابعة وقد كادت تنقطع...لقد تملك الخوف قلبي حتى خانتني قدماي...وقعت أرضا أحدق في الدمار...
أين أنا؟...ما الذي يجري؟...تساؤلات لم يجد لها عقلي الضائع وسط الدمار...اجابات....
صرخات مرعبة...صور كثيرة للموت...تجلت أمامي....جنود بلباس عسكري يرشون الرصاص في الأنحاء كأنهم آليون...من دون قلب...ولا رحمة...
كلما حاولت اقناع نفسي أنّ كل شيء على ما يرام...ازداد خفقان قلبي وأبى عقلي التصديق !
صرخات النساء والأطفال ما زالت تدوي في كل مكان...لم اعد أعرف ان كانت أصواتا حقيقية أو أصواتا اختلقتها مخيلتي لتشعرني بهول ما يحدث من حولي....
كدت أشاركهم الصراخ وأنا أرى مجموعة من الجنود...يجرّون رجالا مكبلين بالسلاسل والأغلال...وبطلقة واحدة يفصلون أرواحهم عن أجسادهم...تمنيت لو سرت نحوهم وطلبت منهم ان يطلقوا علي...فرؤية الألم وهو يتكرر أشد من حدوثه لمرة واحدة....
تشجعت...وحملت نفسي عنوة لاستكشاف المكان...مشيت بضع خطوات مترددة...فإذا بي أرى شوارعا...وكأنّها شوارع مألوفة ! تسمّرت في مكاني غير مصدّقة بعد أن أدركت أنّني في أحد أحياء العاصمة الجزائرية....
حرقة مؤلمة نهشت أجزائي كلها...تأملت الدمار الشامل لبلادي !! فدمعت عيناي دما...ليس خوفا بل ربما لأنني لم أستسغ طعم الهزيمة !
سمعت قهقهة آتية من الشارع المجاور...انطلقت مسرعة فلربما أجد نفسي في عالم آخر غير هذا...ولكن سرعان ما استولى اليأس على كياني...فقد وجدت مجموعة أخرى من الجنود...يرتكبون جريمة أبشع من القتل وأمرّ منها...كانوا يلقون بالكتب أرضا فتتطاير منها الصفحات في كل مكان...ليتها كانت كتبا عادية...لا ولكنها للأسف كتاب عزتنا وفخر أمتنا...إنّه القرآن الكريم...كتاب الله تعالى...بين يدي جندي حقير يمزقه ويبعثر أشلاءه وسط الدمار...لم أتحمّل المشهد...فصرخت بهم دون وعي..."كفى...هذا يكفي !" خاطبني أحدهم بكلمات فرنسية لا يبدو في مضمونها الود أبدا...ركض نحوي عشرة رجال وكأنّهم وحوش تلاحق فريسة ضعيفة لا حول ولا قوة لها ! لم أفرّ هاربة بل استقبلتهم بالسير نحوهم على عكس ما توقعوا...تبدد خوفي فجأة...قابلوني بضحكات ساخرة...ربما لصغر حجمي...أو بسبب الغطاء الذي أستر به شعري...لم آبه بضحكاتهم....فكل ما يهمني هو كرامتي وكرامة وطني...لغتي...وديني !
وجّه أضخمهم سلاحه نحوي...كبّرت ثلاثا...ونطقت الشهادة...فحرر رصاصة ليقاطعني....اقتحمت أحشائي...وأسقطت جسدي الصغير أرضا...وكان آخر ما أبصرته عيناي....آية على صفحة من صفحات كتاب الله تعالى...حملتها الرياح لتستقر أمام ناظري..."إنّ مع العسر يسرا"...وبعدها لم أشعر بشيء....
أيقظني صوت أمي...فتحت عيناي مفزوعة قائلة: "أنحن في الجنة؟...هل متّ شهيدة يا أمي...؟؟"
- قرأت 838 مرة

التعليقات
إضافة تعليق جديد