
علّمني الكتاب...
درجة الحرارة 38، الشّمس ساطعة أشعتها تلفح الوجوه، النّاس بين ذهاب وإياب بعضهم يردّد" اللّهم أجرنا من نار جهنّم" والبعض الآخر وجد مجالًا لاستعراض موهبته في الارتجال وتحليل تغيّرات المناخ، فهؤلاء وأمثالهم قمّة في كلّ المجالات... السّوق عامرٌ بالنّاس لكنّه يبدو فارغًا إنّه يفتقر لروحه المعتادة، لأصوات الباعة وهم يعرضون سلعتهم، لنقاشاتهم الحادة والمتصاعدة في كثيرٍ من الأحيان، لحركة الزّبون الّتي لطالما أحببتها، فهذا يُفاصل في السّعر وذلك يُقايض السّلعة، أمّا تلك فتستفسر عن الخامة، المصدر والمنشأ حتّى يُخيّل لك بأنّها ستخطبها... كلّ هذا وأنا قابعٌ بهدوء، مُكره على مقعدٍ خشبيٍّ مُهترئٌ في مدخل مكتبة أبي، أحمل بيدي مروحة مصنوعة من سعف النّخيل توارثناها أبًا عن جد، إنّها تراث عائلي بامتياز ويا حظُّه من نال شرف امتلاكها... لي في هذه المروحة مآرب كثيرة فبها أُروّحُ وأسرق نسمات هواء لطيفة عليلة، أطردُ الذباب والبعوض، أمّا أهمّها فهو ذلك الشّعور بالعظمة الّذي أعيشه حين يمرُّ أحد أصدقائي أو يأتي عندي، فتجدني بمجرّد رؤيته أُعدّلُ جلستي، أُصوّبُ ظهري وأُرَوّح بهدوءٍ وثبات ولَــكأنّني الدّاي حسين في زمانه... أفٍّ الملل يقتلني وأبي لم يأتِ بعد، إنّه يتعمّد التّأخر فقد أخبرتني أمّي هذه الصّبيحة بنيّته في إعدادي لاستخلافه، لاستلام المكتبة.
- يا إلهي... ما هذا يا أمّي؟ فأنا لا أفكّرُ في الكتب... أريد أن أُصبح تاجرا، أكسب المال، الجاه والسّلطة مثل جارنا عمّي علي الّذي أسعفه الحظ فأصبح أحد أهم أعيان القرية.
- التّجارة يا بني ليست مغانم فقط بل مغارم أيضا، أمّا الكتاب فكلّه مكاسب وآن الأوان لتعقد مصالحةً فكرية معه، ولا تنس بأنّه خير جليس...
- ولا تنْسَيْ يا أمّي بأنّ الفَاقَةَ الّتي نحن فيها سببها الكتاب... على هذا المنوال دارت المناقشة البيزنطية بيني وبين أمّي لكنّني مُقتنعٌ بوجهة نظري، فأيُّ مستقبل يلُوحُ ويُشرق بين الجدران المُشحّرة لهذه المكتبة الكئيبة، وأيُّ منفعةٍ تعود عليّ من كلام مجنون بائع كلام، يَخُطُّهُ في صفحاتٍ علَّهُ يبيعُها ويقتات منها.
الشّمس تجاوزت كَبدَ السّماء بكثير وأبي لم يتكرّم ويشرّفني بحضوره... مصاريني تتصارع ومعدتي تأكل نفسها، آه... لقد عضّني الجوع، فأنا لم أتعوّد تأجيل موعد الغذاء إلى مثل هذا الوقت، وأبي لم يتعوّد التّأخر فالجميع يُثني على التزامه واحترامه للمواعيد... وبينما أنا في حديث النّفس إذ أقبل أبي من بعيد حاملًا في يده قفّة الطّعام فأهلًا بالحامل والمحمول.
- أبي ما خطبك؟ لِمَ تأخّرت؟
- بهدوئه المعتاد وجدّيته المألوفة أجابني: تناول طعامك وبعدها لي معك حديثٌ.
كانت كلّ لقمة تدخل جوفي أمرّ من العلقم بالرّغم من حلاوتها، فأمّي طبّاخة ماهرةٌ بامتياز وجميع نسوة القرية يشهدن لها بهذا.
وما إن فَرَغْتُ من طعامي حتّى استلمني أبي مُحدّثًا: أخبرتني أمّك بعدم تحمّسك لتولي شأن المكتبة، ارتبط لساني، تلعْثمت وضاعت منّي الكلمات، لم أُجِب أَوْمَأْتُ برأسي مُشيرًا ب" نعم" فأنا أخاف أبي إنّه متشدّد جديّ، ليس من النّوع الّذي تعوّد التّعبير لنا عن مشاعره بالرّغم من حبه لنا، فأنا أستشعر هذا في خوفه ولهفته علينا، فأَرْدَفَ إذن أنت ترغب في التّجارة والرّبح السّريع... لك ذلك، أعدك بالسّماح لك بامتهانها لا بل وبمساعدتك أيضًا، لكن عليك أوّلًا مطالعة هذا الكتاب واكتشاف السّر الكامن فيه. أَذْعَنْتُ لشرط أبي تناولت الكتاب وأنا أُتمتِمُ " أ تُسَمّ هذا كتابًا؟ إنّه موسوعة" لكن لا مفرّ فهذا الشّرط سبيلي الوحيد لتحقيق غايتي.
عزمت على بدء المطالعة غدًا بحول الله فالآن الشّمس قد مالت إلى الغروب ولون الشَّفَق قد عكس احمراره على أسقف الدّكاكين، صحيح أنّ الظّلام لم يُخيّم بعد لكنّه يوشِكُ على ذلك، وقريتُنا على غِرار القرى المجاورة تَفْتَقِرُ
إلى أبسط مُتطلبات العيش الكريم، فلا ماء شَروب ولا ضوء منير، بالرّغم من أنّنا في عصر التّطوّر والتّكنولوجيا فإنّ المنبع والشّمعة هما ملاذُنا الوحيد.
عُدتُ إلى البيت قضيتُ حاجتي الدّينية والدّنيوية ثمّ هَجَعْتُ في مرقدي مُترقّبًا خيوط الشّمس الذّهبية.
انحدر بُرْقُعُ اللّيل، بَزَغَ الفجر يحمل وعودًا بغدٍ أجمل حافِلٍ بالصّفقات التّجارية الرّابحة، فهذا أوّل يوم لي، إنّه يوم التّحدّي فإمّا أن أكون أو لا أكون، لا يهمّ كيف؟ ولا يهمّ أن أقرأ كلّ الكتاب سأكتفي بالتّقلّب بين صفحاته واستراق مقتطفات أعرضها على أبي تحت عنوان " هذا هو السرّ الكامن" نعم... لقد تحوّلتُ إلى إنسان ميكيافيلي فالغاية تبرّر الوسيلة. أَقَمْتُ الصّلاة ثمّ عقّبتُها بما استيسر من الذِّكر الحكيم فهذا هو الكتاب الوحيد الّذي شَغَفَنِي حبًّا والّذي أستمتع بقراءته. هَبَبْتُ على غير عادتي مُشَعّثًا قاصدًا المكتبة حتّى إنّني لأوّل مرّة لم أسأل عن الطّعام وأنا المعروف بشهيتي الدّائمة، حملتُ الكتاب ومضيتُ مُتَرَنِّحًا مبتهجًا تُحرّكني صورة رسمتها في مخيّلتي، إنَّها صورتي... أنا التّاجر الكبير... ملك السّوق. فتحت المكتبة ارْتَكَنْتُ إلى ركن فيها ولم أنسَ مروحتي أنيسي الوحيد... " أصول البرمجة الزّمنية في الفكر الإسلامي" كان هذا هو عنوان الكتاب، البداية لم تكن مبشّرة حيث أنّ العنوان معقّد فما بالك بالمضمون، كِدتُ أتراجع لولا أنّ الله فتح بين نَاظِري عمّي علي التّاجر الكبير وهو مُقبلٌ في أبهى حُلّة، تلك الحلّة الّتي لا طالما حلمت بها... رؤيتُه دفعتني دفعًا إلى الغوص في الكتاب، أخذتُ أتنقّل بين صفحاته وفصوله بعد أن طبعتُ فهرسه طبعًا في ذاكرتي. مضى شهر من الزّمن وأنا مُنْصَرِفٌ لهذا الشّأن عن كلّ شيء أغدو إلى المكتبة والطّير في وُكُناتِها أُلازِمُهَا وأُلازم كتابي ومع نهاية كلّ فصلٍ أقرأه أجد جملةً من الأسئلة قد تخمّرت في ذهني فأنكبُّ على الفصل الموالي في محاولةٍ منّي لإيجاد أجوبةٍ لها، وهكذا تِباعًا إلى أن فرغْتُ من الموسوعة كما أسميتُها، لم أشعر بِكَلَلٍ ولا وَعْثَاءَ بل عايشتُ فنّ المطالعة واستطعمتُ لذّتَها، اكتسبت قدرةً رائعة على العلم والتّعلّم، تعلّمت كيفية إدارة الوقت وهذا هو السرّ الكامن الّذي رَمَى إليه أبي أي أنّه يمكنني أن أكون تاجرًا ومثقّفًا في آنٍ واحد فقط عليّ التّمكّن من هذا الفن والتّحرّر من مثلّث البرنامج الزّمني الغربي الّذي حتّى وإن تغيّر اتّجاهه فإنّ طبيعته لا تتغيّر، عليَّ وضع مكعّب للأهداف والأولويات... علّمني هذا الكتاب بعض عادات خير الأنام كعدم الخروج وقت القيلولة إلّا للضّرورة الملحّة، علّمني أيضا التّبكير وعدم النّوم وقت العصر وما إلى ذلك من عادات وسُنَنٍ عزمتُ بإذن الله أن أجعلها دستور حياتي إلى جانب الكتاب المُنزّل...
بفضل المطالعة تخلّصتُ من عقدتي المركبة" النّفسية، الاجتماعية والفكرية "، لقد تصالحتُ مع الكتاب كما أوصتني أمّي، ثُبت إلى نفسي وتواثقتُ معه فأصبحت أُفْضِي له بكلّ ما في خاطري.
أدركتُ قيمة المطالعة والكتاب وأدركت قيمة نفسي فصحّ من قال " الكتاب رمز الحضارة وسرّ المعرفة"
- قرأت 465 مرة

التعليقات
إضافة تعليق جديد