
ذكريات لاجئ
كان لي يوما بيت فسيح، حديقته الّتي لعب فيها أطفالي وشرفته الّتي أطلّ منها أحبابي.
كانت حياتنا تمر عادية بحلوها ومرّها، بين جيران الحارة، تلك الحارة القديمة الّتي تفوح ياسمينا وجوريا، ضحكات الأطفال تتعالى مع أصوات الباعة المتجولين، كانت أكبر مشاكلنا مصاعب الحياة ومشاغلها ، إلى أن جاء يوم لم تبق فيه الحارة، سكت فيه الأطفال، احترق الياسمين والجوري ، لم تتبق سوى رائحة الدّخان والبارود، والرّكام أضحى هويّتنا، واللّون الأحمر القاني أصبح اللّون الوحيد الّذي نراه.
مات أطفالي على أعتاب الحديقة وسقطت الشرفة الّتي حملت يوما أحبابي.
أصبح همّنا البقاء على قيد الحياة، لم أظنّ يوما أن مصيري سيجعلني أترك وطنا حاربت من أجله ودفعت الغالي والنفيس، تمنّيت الموت لكن... من رأى الموت يتمسك بأضعف خيط للحياة.
بين أمواج البحر تمايلت، بيدي ولدي الباقي من أصل ثلاث وزوجة تكاد تعميها دموع الحسرة، فهذا الابن مات وذاك البلد راح وها نحن نتغرّب لا ندري إلى أين ستقذفنا قوارب النّجاة أو بالأحرى قوارب الموت.
وصلنا... نعم وصلنا لكن لم نبق بعددنا الأوّل ففينا من توفي غرقا وفينا من مات حسرة.
رحلوا وتركوا في قلوبنا جراحا أعمق لن تشفى على مرّ السنين وسيأكلنا الشّوق والحنين.
وصلنا لملاجئ صارت لنا بيتا بعد أن كانت بيوت العالم لا تساوي كوخا لنا.شتاؤها برد يقتلنا وصيفها حر يلفحنا، ظننّا أنّنا هربنا من الموت وإذا به جاء معنا ولم يتركنا.
اليوم نحن باقون أحياء بأجسادنا، موتى بأرواحنا، لكن رغم كلّ هذا وذاك... يبقى الأمل لغد أجمل... لحياة أفضل...لذا نحمد اللّه ونأمل الفرج مع كل شروق جديد وبصيص أمل ولو كان بعيد فبعد ظلام اللّيل الحالك يأتي الفجر ،فلن تبقى حرب على شعب أو حزن على عزيز فالغد أجمل... فهذا وعد اللّه "إنّ مع العسر يسرى"
- قرأت 505 مرات

التعليقات
إضافة تعليق جديد