
" كُنْ إيجابيًا "
" كُنْ إيجابيًا " عِبارةٌ لَطَالَـمَا الـتـقـيْـتُ بـهـا وأنا أتجوّلُ فـي أزقَّةِ الكتـبِ، لـم تـسـتَوقـِفنـي يـومًـا، ربّـمَا لأنّ تـلك الـكـتُب لـمْ تَخُـصَّهَـا بالشّرْحِ الـوافِرِ، مـرّتْ عَـلَـيْهَـا مُـرُورَ الْـكِرام، أو ربّـما لأنّ عقـلِي حـينـها لـم يَرْتَـقِ إلى درجَةٍ من التّـفكيرِ تُخَوِّلُهُ لِلْـوقوفِ عَـندهَـا وتـدبُّرِهَـا.
ولكِن هـا أَنَا ذَا، وبعدَ تجـربةٍ عِشْتُها وعَـايَشْتُ فـيها الإيجابيةَ، أعودُ إليْها لِأُسَـلِّطَ الضَّوءَ عـليها، أُرَافَعُ عنها وَأُوفِّـيهَـا بَعْضًـا من حـقِّهَـا، فَـكُـثُرٌ هُـمْ من تداوَلُـوها، لا بلْ واسْـتَـرْسَـلُـوا فِيها، وهُم يُسْدُونَ لـي نصائحَ مُجرَّدَةً صـمَّـاءَ، دون أدنـى إدرَاكٍ منهم لـمَفهومِهـا الْحـقيقي... فالإيجابيَةُ يا
صديقي، لا تَـقْتَصِرُ فقط عـلَى النّـظرِ إلـى الـحياة بِـعيْنِ المـتفائِلِ، كـما يظُنُّ الكثيرُ مِـنَّـا، هـيَ ليستْ مُـجرَّدَ ابتـسامةٍ تَرْسُمُـهَـا عـلى ثَـغْـرِكَ، لِـتَـتحدّى بها الفشلَ بـعدَ كُلِّ مَـطَـبَةٍ تقعُ فِـيهَا... بـَلْ هـي تِـلْك الـرّغبةُ والإصـرارُ عـلى تَغْيير الذّات نَـحو الأفضل، الانتصارُ عـلى ملذَاتِ النّفسِ وشـهواتِهـا... عـلى الأَنَـا فـيها، وَمَـنْـعُ تَـضَخُّمِـهَـا... هـي تِلك الفرحةُ الّـتِي تَـتَـرَاقَصُ فـي عَيْنَيْكَ وأنتَ تَرَى عَزِيزًا اِفْتَـلَذَ ( اِنْقَطَعَ ) وِصَالُـكَ بـهِ بـعْدَ اخْـتِلافٍ وسُـوءِ تَـفَـاهُمٍ، تَـرْكُـضُ إلـيْه فَـيُـعانِقُـهُ قَلْبُكَ قبل ذِرَاعَيْكَ، نَـاسِـيًـا أو مُـتَـنَـاسِـيًـا سَـبَــبَ الْـقَطِيعَة.
هِـي مُـعَـلِّـمٌ أَوْشَـكَ عـلى الإحترَاقِ ولا زَالَ قِـمَّةً فـي الـعَـطَـاءِ، رَحِـبَ الصَّـدْرِ يُـمَـازِحُ أَبْنَـاءَهُ وَيُـعَـانِقُهُمْ تَـارَةً، وتَـارَةً أُخْـرَى يُـعَـاتِـبُـهُـمْ عِــتَابَ الْـمُـحِبِّ، فـي مُـحَـاوَلَةٍ مِنْهُ لِـلْـمُـضِـيِّ بِهِمْ قُـدُمًـا، صَـانِـعًـا بِذَلكَ مُـفَارَقَةً عـجـيبَةً، بِدايَتُـهـا موسِمٌ دِرَاسِـيٌّ، جـلـسـةُ تَـعارُفٍ أمَّـا نِـهَـايَتُـهَـا فَــغَـيْرُ مَـوْجُـودَةٍ، ذلِـكَ لأنَّـهُ آثَـرَ مَـقَـامَ المُـربِّـي، الـمُـجَـاهِد، الـمُـرَابِط السَّـاعِـي إلـى بِـنـاءِ جِـيلٍ مُـؤْمِنٍ بِـقُــدُرَاتِهِ، راشِـدٍ مُـرْشِـدٍ لِــغَيْرِهِ، فَــعَّـالٍ فـي مُـحِـيـطِهِ مُــنْـفَـتِـحٍ عـلى الْـعـالمِ...
وبــهَذَا فـإنَّ الـمـعلِّمَ يَـقْـضِـي حَـيَـاتَهُ فِـي بِدايَـاتٍ، لا نِــهَـايَـاتَ لـهَـا، وهُـنَـا تَـكْـمُـنُ إيـجَـابِـيَتَـهُ.
الإيــجَـابِية مَـسْؤُولٌ تَــوَاضَـعَ فَـجَـالَـسَ مُــوَظّـفِـيهِ وتَـنَـاوَلَ وَجْـبَـةً مـعهُمْ، نَـاقَـشَهُمْ، مَـازَحَـهُمْ اِسْــتَـمَعَ لِــمَشَـاغِلِهِم وَهُــمُـومِهِم... مُـوظَّـفٌ لَـم يَـتَـقَـاعَسْ وأَخْـلَصَ فـي عَــمَـلِهِ، احْـتَرَقَ هَــمًّـا بِـهِ فَـأَتْقَنَهُ، لَـم يُـضْـعِفْ عَــزِيـمَتَهُ، زُهْــدُ أجْرٍ ولا مَـشَـقَّةُ عَــمَـلٍ.
هِــيَ طِـفْلٌ لَـمَـحَ مُـعَلِّـمَهُ عـلى الرَّصـيفِ الآخَرِ، فَـتَلَأْلَأَتْ عَـيْـنَـاهُ تَـلَأْلُـؤَ النَّـجْمِ فـي عَــلْــيَـاءِالـسَّماءِ، أَقْــبَـلَ عَـلَـيْهِ بِـسُـرْعَـةٍ مُــتَجَاوِزًا كُلَّ خَـطَرٍ، تُـحَرِّكُـهُ فَـرحـةٌ تُــعَـادِلُ فَــرْحَتَهُ حِـينَ بَـلَـغَلُـعـبـةً بـعدَ طُـولِ انْـتظار.
فَــطُــوبَـى لِـكُـلِّ هـؤلاءِ الّـذيـنَ أدْرَكُــوا الْــمـعـنَـى الـحقـيقـيَّ لِلإيجابية... الّـذيـنَ صَـنَـعُـوا الْـحَـيَاة.
فَــلْـتَكُنْ إيجابيًا، ولْـتَـبْدَأْ رِحـلَةَ الـتَّغْــيِــير... انْـطلِقْ من ذَاتِكَ، من جَوانبِ نَفْسِكَ الْفَـاضِلَةِ ... هَذِّبْهـا، روِّضْـهَـا، عَـوِّدْهَـا عـلى الْقناعةِ، عَـلى التّواضُـعِ، عـلى الزُّهـدِ... ثِــقْ بِــرَبِّـكَ واخْــلَعْ عَــنْكَ ثَــوبَ التَّــشَـاؤُمِ... اغْــفِـرْ لأَخٍ، لِـجَارٍ، لِـقـريبٍ، لزميـلٍ جَــارَ عليْكَ كَـذِبًـا وافْــتِرَاءً... حَــرِّرْ نَـفْسَكَ من كُـلِّ مَــشَـاعِرِكَ السِّلــبِية ولْــتَرْتَقِ وتَـتَرفعْ... سَــاهِم فـي بِـنَـاء مُــجتَـمَعِكَ وَأُمّـتِكَ ... باِبتسامةٍ، بـدُعـاءٍ، بـكـلِمـةٍ طـيِّبةٍ، بِـنَـهْـيٍ عـن مُــنْـكَرٍ وذلك أضـعفُ الإيـمَان.
كُـنْ صَــاحِبَ يَـدٍ بـيـضـاءَ، أبْــسُــطْــهَـا لِــتَـصْنـعَ سَــعَادتَـكَ، وسـعـادةَ غـيْرِكَ، فَــوَحْدَكَ أَنْتَ من تَــصْــنَعُ وَاقِـعَـكَ، حُــلْوًا كَــانَ أَمْ مُــرًّا، فَـابْدَأْ رحـلةَ التَّـغْـيِير... كُـنْ إيـجـابِـيًـا واِصْــنَعِ الْــحَــيَـاة.
- قرأت 1462 مرة

التعليقات
إضافة تعليق جديد