إني رأيت الأمل حيث العمل.

تمدّدت قليلا لأستريحَ من عناء سفر، بعُدت عليّ شقّته، والجسد صار منهكا و خائرَ القُوى، فقد كان حرّه شديدا وجوّه خانقًا، توقّقت فجأة وجلست أُشغِل البال والخاطر، وانطلقتُ أقلّب في صفحات الأيام القليلة الماضية، وأقارب بينها وبين ما شهدتُ فيها من مواقف، والتي كانت، في غاية التجاذب والتنافر.
استذكرتُ تلك الأيّامَ التي مرّت بي، والتي قرّرت أن أغدوَ فيهَا وأروحَ، بلا وجهةٍ محدّدة ولا هدف، فجريتُ فيها كالفُلك الذي لم يرسم الطريق، ولم يستعن بالبوصَلة، فتاهت به الريح، يمنة ويسرة، فكنتُ كذلك مثلَه، حيث صرت أنقاد لكل طارئ وعاجل، وأمشي على هُدى غيري، بل وأحيانا على وقْعِ رغبات وخطرات نفسي.
استذكرتُ تلك اللحظات الطويلةَ، متمدّدا أمام التلفاز متنقّلا بين الأقطار، وأشاهد متناقض الأفكار، ومَا يظهر فيها من النافع والضار، دونَما الوقوفِ على شيء محدّد، فأقول هذا مَا أحتاجه.
واستذكرت كذلكَ جلوسي مع جمعٍ من الأصدقاء، مفترشينَ العشب الأخضر، في غابة جميلة، أخذ الوقت منّا الكثير في مطارحة موضوعٍ اجتماعي شائك، خلُص إلى نتيجة هي العزمُ على الحراك في الميدان لأجل التغيير، ولكنْ أيُّ حراك، وأيُّ تغيير، حراك وُئِد في مهده، حيث إنّ دافع الحماسة المتوقِّدة انطفأت جذوتُه، بعد أن انفضَّ الجمع مباشرة، فلم نكن لنجيب عَن: من؟ ومتى؟ ولماذا؟.. فكانَ روّاد هذه الفكرة، هم أوَّل من تخلَّى عنها بُعيْد أيام من ذلك، فقد هاتفت أحدَهم مستفسرًا عن مسار الموضوع: فقالَ: إنَّنا ومُنذ ذلك اليوم نحن نعوّل على عقد لقاءٍ للقيام بما اتّفقنا عليه ولكنَّه لم يُعقد إلى غايةِ اللحظة، وقد مرّ على هذا أكثرَ من شَهرين.
تذكرتُ أيضا، أنّي ذهبت أرى طلبة علمٍ في عطلتهم الطويلة الأجل، الكثيرةِ الأمل، فوجدُّتهم يطاردهم الملل، ويَملأ جفونَهم الكسل؟ وبقيت أسألهم دون انتظار جواب، تُرى هل هِي فعلا العطلة التي تُعطّل كل شيء.
استفقت في الأخير  وعدُّت من حيث كنت، إلى حيث أنا، فاستجمعْت قوايَ وأخذت طريقي، إلى من رأيت أنَّهم ربَّما هُم الأمثل، فوجدُّته فعلا في أولئك الذين لَهم أمل بفضل العمل، بل إنّه هو الذي يدفعهم ويُحييهم و يقوّيهم، وجدتُهم يعملون ويكِدّون لغاية سامية ومرام عاليَة، لكن بتنظيم وتخطيط، ودراسة وتدقيق، ثمَّ مراجعة وتقييم، وبعدها تحفيزٌ وتكريم، عند قطع عدد من الخطوات.وبذلك تجدُهم راضون إنْ نجحُوا، وعازمون على تَكرار المحاولة إن خابُوا.
بهذا وجدت الناس الذين يبادرون للعمل، هم الذين يَحيَون بالأمل، وتَراهُم يدركون لما يعملون، وإلى أي نتيجة يصبُون، فقلت في نفسي: وهل هدف الحيَاة إلاّ هذا، إمّا أنْ تكون أو لا تكون، إمَّا أن تكيّفها على هَديك، أو هي تكيّفَك على هَديهَا..
وإلاّ فإنَّ الأيَّام ستَمضي بك، والأفلاكُ ستدور من حولك، وتجدَ نفسك لم تَبرحْ مكانك. فما أتعسَ الحياة إن عِشتها سبَهلَلا، ومَا أحلاها إن كنتَ راسمًا فيها طريقك بوضوح، عازما على السير فيه حتى النهايَة.
 

الأستاذ: يوسف كفوس، مدير طور الابتدائي

التعليقات

إضافة تعليق جديد