الجمال قيمة حضارية

إنّ الجمالَ قيمةٌ حضاريةٌ ذاتُ أهميةٍ للإنسانِ والحياة، إذ يُسهِم في السُمُوِّ بالمجتمع، ويَجعلُ الحياةَ أكثرَ إشرَاقاً وَحيويةً. وَهُو سِمَةٌ بارزةٌ من سِماتِ الوجُود. 
يُدركُ الإنسانُ بفطرتِه التي فَطرَهُ الخالقُ عزَّ وجلَّ عليها، جمالَ الكونِ لِما فيه من النظامِ والتناغُمِ والانسجامِ في صفاتِ المخلوقاتِ الحِسِّيةِ والمعنويَّةِ، وفي الأشياء من حولِه عامَّةً، والإحساسُ بالجمالِ من شأنِه أن يهذّبَ المشاعر ويَسمُوَ بالذوقِ البشري. إذ كُلمَا تَسامَى لدينا الإحساسُ بالجمالِ وازداد وعيُنا بأبعادِه الحِسِّية والمعنويِّة وتفاعَلْنا معها، تعَالت إنسانِيَتُنا، وارتقينا بسُلوكنا، ولأهمِّيةِ قيمةِ الجمال في الحياة، ولحاجةِ الإنسانِ الفطريةِ في الاستمتاع به، كانت محلَّ تقديرٍ لدَى سَائر الأمم وَالحضارات.
لكنَّ نظرةَ الإنسانِ إلى الجمال، تَختلفُ واختلافَ الأزمنةِ والأماكن، فمَا كانَ جميلا في زمن مضى قد يُرى قبيحًا في زمن لَاحِق، وَما يراه مُجتمَعٌ مَا هُنا جميلا أو قبيحًا، قَد يَراهُ مجتَمَعٌ آخرُ هناك عكس ما يراه الأوَّلُ، وَفي الزمان الغابر والحَاضر أمثلةٌ لاَ نَكادُ نحصيهَا، مثلاً تَرَى بعضُ المجتمعاتِ في بعضِ البلاد،ِ جمالَ َالمرأة في رَشاقتِها حينَ تَرَى مجتمعاتٌ أخرى في بلادٍ غيرِ الأولى، المرأةَ البدينةَ السمينةَ الأَجمَلَ بين النساء، ويَرَى شبابُنا اليومَ -مثلا- قَصاتِ الشعرِ المُتداوَلَةَ التي لا تَخلُو من القَزَعِ المَنهِيّ عنه في شَرعِنا جميلةً حين نرى في جُلِّها – نحن آباؤُهم- شيئًا من القُبح ونَحِنُّ إلى قَصَّاتِ زمانِنا الذي مضى.
حدثَ زماناً في الصين، أنْ صارَ جمالُ القَدَمِ مَرهوناً بصِغَرِ حجمِها عِند الفتيات، فراحَ الناسُ يَلُفّونَ أقدامَهُنَّ ويَربِطونَها بإحكامٍ ثم يحشرونها داخل أحذيةٍ ضيّقةٍ منذُ الصِّبَا، لِيَنتُجَ عن هذا السُّلوكِ تشوُّهٌ فظيعٌ في القدمين يَستحسِنُه بعض أهلِ ذاك الزمان والمكان !  ما تزال إلى اليوم، بعضُ المُسِنَّاتِ في الصِّين تحتفظ في أقدامهنّ بهذه الذكرى المؤلمة.. ذكرى "أقدام زهرة اللوتس". 
إذاً مالذي يجعل معايير الجمال تختلف بين هذا وذاك؟
اِستِناداً إلى فِكرِ أبرزِ فلاسفةِ الغَربِ المُعاصِرين مثل ديكارت وكانت وهيغل وغيرهم، فإنَّ أبرزَ معيارٍ للجمال هو الذوق، ويرَى هيغل (Hegel) أنَّ الذوقَ أو الحِسَّ الجَماليَّ، ليس فِطْرياً في الإنسان، إنمَا هو حِسٌّ بحاجةٍ إلى التَّرويضِ والتكوين، حتّى يكُونَ عندَ المرءِ ذوقٌ وشعورٌ بالجمال.
لا شكَّ أنَّ الذوقَ معيارٌ رئيسٌ من معاييرِ الجمال، فالمرءُ يَشعُرُ بجمالِ الأشياء من خلِال مَا يقَعُ في نفسِه من اللذَّة والبهجَةِ وَالسرور عند رؤيتها أو عند الاستماع إليها، أو ما إلى ذلك، أمَّا عن حاجة الذوق إلى َالتكوين –كما يرى هيغل- فالذي يَظهر أن الأمرَ يقفُ علَى طبيعَةِ الجمال، وذَلك على هذا النحو:
أولا: الجمالُ الغَرِيزِيُّ أو الفِطْريّ، في الأقوال والأفعال وسائر ِالأشياء في الطبيعة، كمَلاحةِ الوجهِ وصِدقِ القولِ وحُسنِ الفعل، هذا الصنفُ من الجمال لا يَستلزمُ إدراكُه تكوينَ حاسَّةِ الجمالِ بتَدرِيبِها على تذوُّقِه، بلْ هو غَريزةٌ في الإنسان لا يَنفَكُّ عنها، بدليل اتفَاقِ الناسِ كافَّةً -على اختلاف بيئاتهم وأزمانهم- على الإحساسِ بجمالِها والسرورِ بها. 
ثانيا: الجمالُ النسبيّ، وهو مقرونٌ بالمَحسُوسات (الماديّات) كجمالِ المباني والملابسِ والمصنوعاتِ ونحوها، هذا النوعُ من الجمالِ يقف الإحساسُ به على طبيعةِ الإنسانِ ورؤيته هوَ، وتَبَعاً لثقافتِه ولبَيْئَتِه الاجتماعية التي نشَأ فيهَا، وغَيرِها من المؤثِّرات الموجِّهةِ لنَظْرتِه إلى لأشياء وإحساسِه تُجاهَها، يَشهد لذلك اختلافُ مقاييس ِالجمال عند الناس ِباختلاف الثقافات والحضَاراتِ.
وعليه، فالحسُّ الجماليُّ في الإنسانِ، منهُ مَا هُو فطريٌّ، ومنهُ مَا هو مكَتسبٌ من البيئة المحيطَةِ به، فإذَا كان الذوقُ في جزءٍ رئيسٍ منه وليدَ بيئةِ الإنسان ِالاجتماعيةِ، فإنَّ هذا يعني إمكانيةَ تعرُّضِه للانحرافِ والتشويهِ، تَبَعاً لفسادِ الطِّباعِ وانحرافِ الأعرافِ الاجتماعيةِ، حتى يُقالَ جميلٌ ما ليس بجميلٍ في ميزان الشرائع السماويَة والعقولِ والفِطَرِ السليمة، وهو شيءٌ نَلمِسُهُ اليومَ مِنَ واقِعِ المجتمعات ِالمُعاصِرةِ التي اعتمدَتْ هذهِ المعاييرَ -المُنفَصِلةَ عن الضوابط الخُلُقيَّة- التي انحدَرتْ بهَا إلى هُوَّةٍ سَحيقةٍ لم يَعُد فيها للأخلاق مكانٌ كاستِحسانِ التعرّي في اللِّباسِ واستحسانِ المنحوتاتِ العاريَّة، واستحسانِ تشبُّهِ كُلٍّ من الجنسين بالآخر، واستحسَانِ الأغاني الماجنةِ الصاخبةِ، واستحسانِ مَشاهِدِ الفاحشة في الأفلام، ونحوِ ذلك من صور انحرافِ الأذواق وفسادِها.
وحاصل هذا كُلِّه أنَّ الذوقَ والمنفعةَ معاييرُ بشريّةٌ قاصِرةٌ –في حال الاكتفاء بهما- عن الارتقاء بالإنسان وتهذيب حِسِّه الجماليّ، ذلكَ لمَا في الطبيعة الإنسانية من الضَّعفِ والقُصورِ، ولِما فيها من المَيلِ مع الأهواء والاِستِرسال في الشهوات والجموح إلى الاستمتاع بالجمال بعيداً عن ضوابط الفضيلةِ والأخلاق الطيّبة، وقد جاء في القرآن بمَواضِعَ عديدةٍ بيانٌ لحال الإنسانِ مِن ضَعفٍ وجهلٍ وافتقارٍ إلى التوجيه والتهذيبِ، في سائر مقوّمات شخصيّته بما في ذلك حِسُّه الجماليّ، قال تعالى: "وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً" (النساء:28). وقال تعالى: "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" (الجمعة:2)
لا ينبغي إذاً أن تُحصَرَ معاييرُ الجمالِ في الذوقِ والمنفعةِ الفرديين، نعم لا شك أنَّ لهذَينِ العنصَريْن حَظاً من الاعتبار والنظَر، إلّا أنَّ الاكتفاءَ بهمَا يَنأَى بقيمَةِ الجمَالِ عن أن تكون وسيلةً لتهذيبِ السلوكِ والارتقاءِ بأحاسيس ِالإنسان ومشاعره. 
قد يكون الشيءُ جميلًا في جانبه الحسّي (في شكله أو صوته وما نحوه) بَيْدَ أن جانبَهُ المعنويَّ قبيحٌ أو مُعارِضٌ لتعالِيمِ الشَّرعِ، فلا يُلتَفَتُ حينئذٍ إلى جماله الحِسّي، لأنّ ضَرَّهُ أكبرُ من نفعِه أو على الأقلّ يَخلِطُ بين النفعِ والضرّ. 
الخلاصةُ أنّ معاييرَ الجمال في الإسلام، هي الشَرْعُ، والعُرْفُ الذي لا يَتعارض مع الشرعِ، والذَوق الفَرديّ، وهي معايير يُكَمِّلُ بعضُها بعضاً، وجاء الشرعُ ليُهذِّبَ ذوقَ الإنسان الجماليِّ، بما يجعله لائقاً به، فيحفَظ كرامتَه ويَصُونُه عن الضلالِ والانحلال.
وخِتاماً، ينبغي لنا أن نعتنيَ بقيمة الجمال، بتربية أبنائنا عليهَا وفقَ المعَايير الصحيحة لها، حتَّى تُسْهِمَ وسائرَ القِيَم في بناء الإنسان والارتقاء بشخصيته في جوانبها كافَّة، وصلى الله تعالى على نبيه الكريم وآلِه وسلم.

فيصل منصوري، أستاذ التربية الفنية طور المتوسط والثانوي.

التعليقات

إضافة تعليق جديد