"....والصُّلْحُ خَيْر...."

تَطَّورت نظريَّاتُ التربيَةِ وَالتعلِيم، مع تَطوُّر الحيَاةِ عَبر الأزمَان، كمَا أنَّها تعدَّدت بتَعدُّدِ ثقافَاتِ الشعوب وَالأديان، ولمَّا كانَ الموضُوعُ متعلِّقًا بتَنشئةِ إنسَانٍ ليَعيش زماناً، غيرَ زماننا لَزم علينَا أن لا نَركَنَ إلىَ التقلِيدِ، وَلا نستَسلمَ لأي جديد، بلْ البحث واستقصاء الواقعِ ودراسته قَصدَ الاستشراف، والاستفادَة من التجارب، بعد التمحيص، كلهَا  مَعالمنَا فِي طريقنَا الطويل والجمِيل.
في كتاب "التربية والتجديد" يرى الدكتور ماجد عرسان الكيلاني أنَّ الإنسانَ يبدَأ طفولتَهُ، معتمدًا على غَيرهِ في كلِّ شيء، وفي هذه المرحلَة عَلى المؤسَّساتِ الاجتمَاعيَّةِ وَالتربَويَّةِ كالأسرَةِ وَالمدرسة، أن تُوفّر للطفل "البيئةَ الملائمةَ لنُمو قدرَاتِ العقْلِ والإرادَةِ، نموا سليمًا، وَأهمُّها بيئَةُ العدلِ والحريَّةِ واحترامِ إنسانيَّةِ الإنسان"، وأيُّ فشَلٍ في تحقيق هذهِ المهمَّةِ سينتُج عَنهُ عجزٌ عَن رؤية الذاتِ، وبالتالي قُصورٌ في الوعيِ، وشللٌ عقلِيٌّ يؤديَانِ إلى العجز، عن المبادرةِ والاستسلامِ للاستجَابَاتِ التلقائيَّةِ، قَد تصاحبُ الطفلَ إلى مراحلَ متقدمَةٍ، من عمُره إذَا لَم تَتضَافرْ هَذهِ المؤسَّساتُ في الحيلُولةِ، دون حُدوثِ ذَلك، من هنَا يتَجلَّى دَورُ البرَامِجِ التربويَّةِ التعلِيميَّةِ، في المرحلة الابتدائية وَالذي يَأخذُ بعَينِ الاعتبَار خصائصَ الطفلِ الميَّالَةِ إلَى المرَح ِوَاللعب، وَالعمَل ضمن الفريق ممَّا يُحركُ فيهِ دَافعيَّةَ التعلُّم وَتعلُّقهِ بالمدرسَة.
يبدأ الطفلُ بعد ذَلكَ في الاستعداد والرغبَةِ فِي الاستقلالِ عَن الغَير، وَعلىَ المؤسَّساتِ، أن تلَبيَ هذِهِ الحاجَةَ، وَأن تَجتَهدَ فِي تَوفيرِ البرَامِج ِالتربَويَّةِ والتعليميَّةِ للمتَعلِّم في وَسطٍ حيٍّ، وَفي سياقَاتٍ متَعددَةٍ ومُتنوعَةٍ يَجعلُ مِن المواردِ المعرفيَّةِ والمهَاريَّة وَالقَيميَّةِ الموجَّهَةِ إليهِ حَيَّةً غيرَ جافَّةٍ...طبعًا إنَّنا فِي صددِ الحديثِ هُنا، عن مرحلة المتوسطِ، أمَّا هَذا الوسط الحي فلَعَلَّ مِن بين أبسط آليات تَوفيره، التعليمُ الذي يَجعلُ مِن الأنشطة الصفِّيَةِ واللاصفيَّةِ محورًا أسَاسًا في العمَليَّةِ التعليمِيَّةِ التعلُّمية.
نظَّمت مدرستنا "العلمية" تظاهرةَ المطالعَةِ في طَبعتِها الثانية، سمَّينَاهَا "من أجل عالِمٍ هو أنت" وَخلالَ اليومين المخَصَّصين لمستَوى الأولَى متوسّط ابتداءً، لاحظنَا كَيفَ تَعامَل التلاميذُ، معَ مَفاهيمَ فيزيائيَّةٍ وكيميَائيَّةٍ-علَى سبيل المثال- تَجاوَزت مُقرَّرَهم الدراسيَّ، لكنْ بالعلاقَةِ الحرَّة وَالوطيدَة معَ الكتاب، وبمُرافقة الأستاذ، والتداولِ وَالحوَار بَينَ أعضاءِ الفريق، والتحدّي المتَمثِّل ِفي إنجَازِ المشرُوع، الذي سَيُعرَض بطريقَةٍ تجمَعُ بينَ الشكلِ الفنيِّ والعُمقِ العلِمي للفكرَةِ، كلُّ هذِهِ العَوامِل جعَلَت منَ التَّظَاهرَةِ  وسطاً تعلُّمياً حيًّا، أتاح الفرصةَ للتلاميذِ أن يَرووا ذَواتِهم من خِلالِ أفعالِهم الذاتية، بعدَ أن تعلَّمُوا كَيفَ يُخطِّطُون ويحَدِّدوُن الهدَفَ مِن فعلِهم (مشروعهم) ممَّا سَمحَ لَهم فِي الأخير بتَقييمٍ ذاتيٍّ لعمَلِهمِ وَتحلِيلِهِ.
بينَ أن تكون هذهِ الأنشطةُ العلميَّةُ مُقيدَةً بالمقررات الرسميةِ للتلامِيذِ، أو حرةً غيرَ مقيدةٍ، يعالِجُ فيها التلاميذُ ماشاؤُوا مِن مَفاهيم، يَبقى التعلِيمُ بالأنشطَةِأمرًا أساسًا، خاصَّةً في مَرحلَةِ المتوسِطَةِ-وَالله يعلم-.
يمكن أن أضيف إلى ما سبق أمرَيْنِ يبدُوانِ لي مُهِمَّيْن:
أولهمَا، إذا وفَّرت المؤسَّسة (الأسرة، المدرسة) في مَرحلَةِ الابتدائي، البيئَةَ الداعمَةَ للحريَّة واللعب، فإنَّهُ بالتبَعِ يَستدْعِي  فِي المرحلة المواليَة –المتوسطَة- توفيرها لأسلُوبِ تَعليمٍ مَفتوُحٍ، ومَرن كالأنشطة، وَذلكَ حِفاظًا على السيَاقِ التربَويِّ، الذي أَلِفَهُ التلاميذ وإلاّ حدَث تَشَوّهٌ، في عَلاقَةِ المتعَلّم بالمدرسَةِ وَالتعَلّم.
أما الأمرُ الثاني، فإنَّ التعليمَ بالأنشطَةِ، من شأنهِ أن يُسهمَ في تَسهيلِ تحويلِ ذهنيَةِ الأستَاذِ، من التعليم التلقِينِي البحت، الذي يَجعلُ المعَلّم محورَ العمليَّةِ التعليميَةِ التعلُّميَةِ، إلى التعليم الديناميكيِّ التفَاعُلِي، الذِي يُعتبَرُ فيهِ المتَعلّم مِحوراً، أمَّا الأستاذ هُو الموجّهُ وَالمرافِق.
يحتاج المتعَلمُ بعدَ أن يصبحَ ذا وعي بذَاته، مُستقلا في تَفكيرِه إلى أن يَكُونَ أكثَر فعَاليَةً، في محيطه ومجتمَعِه، ومُساهماً في إنجازاته، وبالتَالي يَنتَقِلُ إلى مَرحلَةِ تَبادُلِ الاعتمَادِ مَع الغيْرِ، وَالتي تَبدَأ في مَرحلَةِ الثانوي، لتَستَمرَّ إلى الجامعة، وهُنا أريدُ أن أشِير إلَى أنَّ المتعَلّمَ فيمَا سَبقَ يَميلُ إلىَ الفنوُنِ ذَاتِ الطابَعَ الفردِي كالرسْمِ، وَالإنشاد، والتصميم،...أمَّا فِي هَذهِ المرحلَةِ، سيَتحوّلُ اهتمامُهُ إلى الفنون ذاتِ الطابع الجماعِيّ الاجتمَاعِي كالفنّ المعمَاري مثلاً، لتُصبحَ هذهِ الأخيرَةُ مَرحلَةً متَقدّمَةً، منَ الاهتمَامِ بالفنّ، وهَذَا مَا يُمكن أن نعبّر عنهَا بحَالَةِ الفن "l’état de l’art " السائدَةِ في المجتَمع، ربَّمَا هذَا مَا يُفسّرُ تَطورَ هَذَا الفن-المعماري- عندَالمسلمِينَ في العصور الذهبيَّةِ، بالإضافة إلى السببِ الذِي طَرحه الأستاذ المفكر عَلي عزت بيجوفيتش في كتابه "الإسلام بين الشرق والغرب" الذي يتَمثّلُ فِي اهتمَامِ الإسلام بشبكة العلاقات ِالاجتمَاعيَّةِ.
أعتقدُ أنَّه في مثل هذا الوسط التربويّ الحيِّ، يمكِن للفنّ واَلعلمِ، أنْ يتعانَقَا....يمكنُ لليَدِ التيَ تَعملُ وَالعقلِ الذِي يَسألُ، أن يتَصالحَا....يُمكِنُ لكلّ الحوَاسِ أن تَتبَادَلَ فيمَا بينَهَا التحَايَا....

 

نصرالدين كحل عينو، مدير طور المتوسط

التعليقات

إضافة تعليق جديد