
أحنّ إلى خبز أمّي... وقهوة أمّي...ولمسة أمّي.
مَضى ذلك الزّمنُ الـجميل الّذي، كُنت فيه أستيقظُ عَلى رائحةِ خبز أمّي، وقهوتِـها العربيّة الأصيلة، ولَـم يتبقَ لـي منهَا سوى ذكرياتٍ تَتزاحمُ فِي مُـخيّلتي، تَـمنّيتُ مِرارًا لَو أتـَمكّن مِن إيقافها لأعيشهَا مِن جَديد، صورٌ مبعثرةٌ تَتَراءى لي، مع كُلّ غمضة عينٍ، لِتُعيد أمامي كُلّ تفصيلٍ، من تفاصيل وجههَا الجميل السَّمِح، فهَاتَان عينيهَا الصّغيرتان الــمُبْـيَضّتان، تُـميِّزُهُـمَا نظرةٌ هادئةٌ حكيمَة، تفيضُ حُبًّا وحنانًا تَعْتَلِيَانِ وجهًا دائريًّا مُصْفرًّا تُزيِّنُهُ آثار كفاحٍ ضدَّ معركة الشّقاء، وذلك ثغرٌ باسمٌ نَاطِقٌ بـجواهر الكَلِم، ينبعثُ منه نَفَسٌ أطيبُ من زهرٍ، يفوح منه الأَرَجْ.
آهٍ كَم أحنّ إلى خُبز أمّي... وقهوة أمّي...ولَـمسَةِ أمّي...وَحتّى إلىَ صُراخِ أمّي أمّي وطنٌ أسكُنُ إليه، فهل يُوجد في الدّنيا، ألـمٌ أكبرُ من أن تبقى بدُون وطن؟
آهٍ لو يعود الزّمن إلىَ الوراء، لـحمَلتُكِ على ظهري، لمَشيْتُ بكِ في الشّارع، وأنا أصرُخُ مِلْءَ فمي، أحبُّ خُبزَ أمّي...وقهوة أمّي...ولـمسة أمّي...أنا أعشق أمّي
آهٍ لو يعود الزّمن إلى الوراء لو... لو...لو...بـمَاذا سَتفيد " لو " فستبقى" لو " مُـجرّد " لو "
فلو لَن تُعيدَ أمّي ولن تُعيدَ الزّمن الـجميل، وبينما أنا أتَـخبط في" لو " أَوْمَضَتِ الذّاكرة إحدَى وَمْضَاتِـهَا، صورةً رائعةً تَتجلّى نُصْبَ عَينَيَّ، إنّـها أمّي قابعةٌ فوقَ كُرسيٍّ أبيضٍ في رَدْهَةِ البيتِ كعادتـهَا، فهذا الـمشهَدُ كانَ جزءً مِن يوميَّاتـها، لـم أفهَم يومًا، سببَ ذلكَ الـموعد الّذي تَضْرِبُهُ أمّي مع الكرسي، عَقِبَ صلاة عصرِ كلّ يوم ، لكنَّ اليومَ و بعدَ أنْ أصبحَ الكرسيُّ شاغرًا، تعود" لو " لِتُخفّفَ عَنّي، فلَو يَعود الزّمن إلى الوراءِ، لـما جَعَلْتُكِ تَتَوسَّلين مُـجالسةً من كلّ من هَبَّ ودَرَجْ، لَو يَعود الزّمن إلى الوراء لارتـَميتُ عندَ قَدميْكِ، قبّلتُهمَا، حتّى يَـختَفِي الورَمُ منهمَا، ثـمّ انتقلتُ إلى يديكِ فغسلْتُهُما بالدّمع، وما أزالُ كذلكَ، حتّى أُزِيلَ آثارَ إبر الأنسولين الّتي نَـخرتْهمَا وشوّهَّتهما، لمَا كنت جادلتك، أمّي... أين أنتِ؟ هاهيّ قهوتُك الـمسائيّة أعددتُـها كالعادَة لتَشربيهَا في الردهَةِ، وأنت مُتربّعَةٌ علَى عرشِك الأبيضِ، لكنّك غَيرُ مَوجودَةٍ، و الكرسيُّ خالٍ، عُودي أمّي، عودِي وَلَو زيارةً في الـمنام، لأكَحّلَ عينيّ برؤيةِ وجهك ِالـجميل، عودي أنّبيني اُصرخي عَليّ لأنّني لـم أرتّب غرفتيِ، لَـم أغسِل الأواني... لا يَهُم الـمهمُّ عودِي حَتّى و لَو فِي الـمنام، فكَم تَـمنّيتُ أن تَكبر بيِ الطفولة وأنا عَلَى صدركِ......
آهٍ... كم أحنّ إلى خبز أمّي... وقهوة أمّي...ولـمسة أمّي...
- قرأت 3465 مرة

التعليقات
إضافة تعليق جديد