ريشة قلب
عندمَا تجتمِعُ ريشَةُ يدٍ برَبانيَةِ قلبٍ، وتَواضعِ نفسٍ، حينهَا عَليكَ أن تُهيئَ نَفسكَ وَعينَيْكَ للاستمتَاعِ، بأبهَى الصُّور واللوحَاتِ الفنيَةِ المختَلفَة الأنواعِ والأشكال، لَقد كَانتْ أمسيَةً، سريعَةٌ جدًّا لحظاتهُا، برفقَة الرسَّام يحي بن أحمد تَعموت، حاولَ فيهَا المعلِّمُ، أن يَضعَ مُقرَّراتِه ومُذكراتِه، والإداريُّ قلمَهُ وملفاتِه جانبًا، ليتَنفَّس عَبيَر الفنِّ الذِي يختَرقُ هَازئًا، كلَّ المقررَاتِ والقوَانينِ والتنظيمَاتِ، نافذًا إلَى القلوبِ والعقُولِ، معلنًا تَفوُّقهُ، في تَعليمِ الإنسَانِ الفضيلَةَ.
توجَّه فريقٌ من طاقَمِ المدرسَةِ العلميةِ نحوَ الورشَةِ بمنطقَة "عين الله" وكلُّه تَشوُّقٌ لمَا سَتشَاهِدُهُ العيْنُ، من بسَاتينِ الفنِّ وأنوَاعِ الورُودِ، استقبلنَا "عمي يحي" بوَاسعِ ابتسامَته، اتسَاع َقاعَةِ عُروضِهِ، وأعمَالِهِ وجمالهِا، أطلَعنَا علَى لوحَاتِه وكواليسِ إنشَائهَا، وَقد استمتَعنَا حقًّا، حينَ كانَ ضِمنَ الفريقِ مشاغِبُ في الرسمِ، يشبِه الذي يستفزُّ المعلمَ في القِسمِ، بعد اطّلاعِه علىَ مُذكِّرةِ دَرسهِ، و مَراحِل ِعَرضِه، كَانَ استمتَاعُنا بأسئلتِه الدقيقَةِ، التي شَهدَ لهَا عَمِّي يحي بالدرايَةِ فِي مَيدَانِ الرسْمِ، مَعَ بعض ِالنكَت المصَاحبَةِ للشرُوحَاتِ، والتي أضْفتْ للعَرض مناورَاتٍ، بين َالفنانَيْن، كالتي تحدُثُ بين فَارسَين بجوادَيْهما، يُريد كلٌّ منهمَا، إمتاعَ الآخرِ، وإبهَارَهُ بإبدَاعِه.
أدّينا صلاة المغربِ علَى مَقام النهاونَد، تحتَ الضوء البرتقالي الخافت في مكتب "عمي يحي" الدافئ، لنَعودَ إلَى مُتعةِ الحديث، في عَالمَ الرسم، وحيَاةِ الرسام في المكتَب، وَعلَى "طاولة العمليات" عَمليَّاتُ تشكِيلِ المشاعِر، وتصميمِها داخِلَ القلب و الدمَاغ، في آنٍ واحدٍ، باستعمَالِ أدوَاتٍ دقيقَةِ التشريح ِوالمزجِ بَينَ الألوَانِ، علَى هَذهِ الطاولَةِ اكتشفنَا الذي يُرسم عَليهَا، اكتشفنا آلامَهُ وآمَالَهُ، التي تَصبغُ لَوحَاته، اكتشفنَا رحلتَهُ معَ الوردَة والبئر و النخلَةِ، التي تَدلُّ عليهِ في جدرَانِ قاعَاتِ الاجتماعات، هنَا وهناك، وغَيرهَا مِن اللوحات الفنيةِ، منذُ أزيدَ من ثلاثينَ سَنةً، وفي كلِّ مرةٍ، كانَ لَا يعجزُ عَن مَدِّ يَدهِ، أو القيَامِ إلَى رَفٍّ من رُفوفِ خَزائنهِ، ليُخرجَ لنَا رَسمَةً أو عُشبَةً، أو علبَةَ أولوانٍ أو ريشَةً، حقيقةً كانَ صاحبَ فنٍّ، حتَّى في شَرحهِ وتَبسيطِه لمكنُونَاتِ وخفَايَا مجالِه، تبَادلنَا هدايَا كُل ممَّا يجُيد، وإن كَانَت نَحو الهدفِ نَفسه، فقَد منحَ "عمي يحي" للمدرسة العلمية صورةً أصليَّةً، في إطار رسمِه بِيدِه، عليهَا مدخلٌ إلى َمدينةٍ عتيقَةٍ، بشكلٍ مُبهرٍ للأنظَار، كمَا قَدّمتْ المدرسَةُ العلميَّةُ، مجمُوعَةَ مؤلفَاتٍ فكريَّة ضِمنَ منظومَةِ الرشدِ للدكتورين: محمد باباعمي وطه كوزي.
اُختتمَ اللقاءُ أكثرَ من مرَّة، ولكنَّهُ لمَ يختتم، وكَأن الساعة كانَت عَلى يَد الأم والقلب، مثلَ ولد صغير يتجولانِ في حديقة الألعاب، إذ أدّينا صلاة العشاء إيذانا بالانصراف، فإذا بنَا نجلسُ مَرَّة أخرَى عَلَى "طاولَةِ العمليَّاتِ" عملياتِ تَشكيل ِالذوق، َوهذه المرة يَتقدَّم "عمي يحي" بأعزّ أدوَات ِتَشريحهِ، وتصمِيمِه، ليضَعهَا عَلى يَد صَبيٍّ في مَيدانِ الرسم، لا يجيد فيه شيئا بالرغم مِن تَذوقِه وتَأثُّره الشديدِ، بكُلِّ مَا رأى، فيَأمُره برسم أيِّ شيء، ياإلهي.. أنا في حَضرَةِ الجمال... لم أمْسِك منذُ مرحَلَة المتوسّطِ ريشَةَ الأولوَانِ المائية...يقول "عمي يحي" نعم أرسُم ..أرسُم فقط...وسَتفهَم أحَاسِيسِي التي تَستغربُها حِينَ أحدّثك عنهَا...أراد الصبي رَسمَ سِلسلَةِ جبَالٍ، فإذَا به يُفاجئ بمنشَار غَير مُتناسقَةٍ أسنَانُه...حاولَ الأساتذة، وأبدعوا في محاكَاتِهم المعلمَ "عمي يحي" في وردَتِه البديعَةِ، انهمَكُوا معَ الريشة تمعُّنًا ورسْمًا وَنَسَوا بأنهُم قد صَلُّوا العشاء للمغَاردَة، وأن مُذكراتِهم و ملفاتِهم الإداريَةَ في انتظارهِم..
ولعلَّ معاني الفنِّ واحدَةٌ، وإن اختلفَت حُروفهَا، حَيثُ حاولتُ أن أضفيَ عَلى اللوحات، صوتًا إلى صُورتها البديعَةِ، باستخبار على مقام العجَم، حولَ بَديعِ صنع الله في الطبيعة، تَلاهُ نَشيد ردّدهُ معِي الجميعُ، للعلياء آآآتسامى شعوري أتغنَّى...طبيعُةُ روحِي، علَى هَذه الأنغام ودّعنا "عمي يحي" وكلُّنا أمَلٌ، في برامج ترَبطُ بينَ الأجيال، برابطَة فنِّ المعنَى وجَمالِ الروح.
- قرأت 984 مرة






التعليقات
إضافة تعليق جديد