عندما تُـكسَرُ الخواطر ( قصّة تربوية قصيرة)

4 x 1= 4    ... 4 x 2 = 8 ... كـلُّ الـتّلاميذ يُـرَدِّدُون وراء المعلّمة باهتمامٍ إلّا رحاب، فقد انْـزَوَتْ في ذلك الرّكن من القسم محاولة الاختباء وراء زميلها الـمُـكْـتَـنِـزِ تارةً، وتـارة أخرى مُـتظاهرةً بالإجابة في حركةٍ ذكيّةٍ منها لِـصَرْفِ نَـظَرِ المعلّمة عنها. لا يَزال التّلاميذ يُـردّدون... ولا تزال رحاب مُـنْـصَـرِفَـةً عن الدّرس على غير عادَتِها مُـوجِّهَةَ نظرها إلى السّماء عبر زجاج النّافذة، كمَنْ يُريد أن يَـخْـتَـلي بالذّاكرة لِـيَسْتَـرْجِعَ وَمَضَـاتٍ من الـمـاضي أو كمن يـحاول أن يحيك من جمالها وزُرْقَـتِـهـا فُـسحة أملٍ تَـجْـبُـرُ الْـخَـواطرَ. 
      انْـتَـبَـهَـتِ المعلّمة إلى حالِهـا لكنّها لم تُـحرّك سَـاكِـنًـا، انتـبهَـتْ رحاب إلى انتباهها فـزاد عِـنَـادُها... فـرحـاب من اليوم لن تُـوليَ اهتماما بالدّرسِ، بالمشاركة ولا بـأيِّ نشاطٍ آخر...
      وَحـدَهَـا تَـتَـخَـبَّطُ  في حَـسْرةٍ وألمٍ يَـسكُن ثَـنَـايَـا قلبها الصّغير... تَـنَـهَـدَتْ تَـنْـهِـيدَةً قـويَّةً تَـخَـالُـها زلزالًا عـنـيفًـا ضرب مدينة فَقَـلَبَ سَـافِلَهَـا عَـالِيهَـا أو موجةً من موجـات تسونامي الـعاتية... شَـرَدَتْ بذِهـنـها بعيدًا وعـادت إلى تلك الأيـام الّتي أَضْـنَـاهَـا فيها الأَيْـنُ والتَّـعب، دخـلت في صراعٍ داخليٍ، إنّـها ثورة اللّاشُـعُـور لدرجَة أنّ الـعالم الـمُـحِيط بها تَـجرَّد من كُـلِّ الأشياء والـمـعالِم... فلا وُجود للمعلّمة ولا للتّلاميذ، لا مكتب، لا طـاولات ولا كـراسي... وحـدها فقط، تَـقْـبَـعُ بين جـدران ذلك القسم          " جـدران الـموت " الّذي يَـبْـتَـسِم لها عند كلّ زاويةٍ... نعم، فَـلا موت يُـضَـاهِـي مـوت الرّغْـبةِ فـي العـطاء والعمل. تـذكّرت رحاب تلك الأيّـام الّتي انكبّـتْ فيها تَـقْـضِـمُ أوراق بـحثِـها بِـشَـرَاهَـةِ الـجـائعِ الْـمحْـرُوم، تَـلَـفَّـقَـتْـهَـا بِـكِـلْـتَـا يَـدَيْـهـا وَأَخَـذَتْ تُـراجع مـضمونها، تـشرحُه لنَـفسها ولأمِّـها... تـذَكَّرَتْ أيضًـا صـبيحةَ ذلك اليوم الّذي تُـعْرَضُ فيها البحوث، صبيحة صَـرَفَتْ فيها آخرَ رصيدٍ من طاقَـتِهـا... وكيف نَـهضَتْ من فـراشِهـا مَـشْـحونةً بِـحَـماسٍ لم تَـعْـهَـدْهُ في نـفسها، كيف عَـدَّتِ الثّـواني والدّقـائق لِـتَـصِلَ إلى مـدرستها لِـتُـقابِـلَ مُـعلِّـمتَـهـا وتَـعرِضَ بـحثَـها الّذي آمَـنَـتْ به، بأفكـاره وَبِـجَـوْدَتِـهِ.
    حـان الموعد المُـنْـتَظر إنّه يوم العَـرْض، أَقْـبَـلَتْ رحاب صَـوْبَ مُـعلِّـمتها مُـتَـرَنِّـحةً مُـطَـوِّقَـةً بـحثـها بين ذِراعَـيْـها، هـاهي فُـرصـتها الذّهبية لِـطرح أفكارها، مُـنَـاقَـشَتِها، تَـصْـويـبها وتعمِـيمِها. اعْـتَـلَتِ المِـصطبة وبِـنَـبْرةٍ واثقَةٍ بَـاشَـرَتْ عَـرْضَـهَـا إلى أن اسْـتَـرْسَـلَـتْ فيه فـأَخَـذَتْ تَـنْـتَقِل من فكرة إلى أخرى بِـسَـلَاسَـةٍ واحترافية، جَـاذِبةً بذلك انتباه التّلاميذ وأنظارهم... إلّا معلّمتها... الّتي انـشَغَـلَتْ عنها بخطِّ سطورٍ على ورقةٍ بيضاء، حَـزَّ هذا في نفسها لكنه لم يَـحُدَّ من عزيمتها ولم يَـكْـبَـح جُـمُـوحها، واصَـلت العطاء والاسـترسال إلى أن فَـرَغَـتْ. لم تُـظهر المعلّمة أيّ ردّة فعلٍ فقد كانت حَـاضرةً في العرضِ بِـجَسدها غائبة عنه بـروحها وعقلها.
    كـان هذا بِـمَـثَـابة صـدمةٍ هَـزّتْ كـيان هذه الصّغيرة  فَـلَـخْبَـطت شَـرايينها وغيّـرتْ مجرى الدّم في عُـروقِها ... أَ فَـبَـعْدَ كُلِّ هذا التّعب تُـقابل بالتّـجاهل ؟؟؟؟ أَ هَـكذا تُـثَـمّنُ الجهود ؟؟؟؟ 

    " ... للـتّـلميذ الـحقّ فـي الاحـتواء، تـبَـنِّـي مـواهبـه وتَـشجـيعه من أجل التّـقدّم والعـطاء الـمـستمر، لا تَـهمّ نسـبة الـصّواب فالمهمّ المـحاولة والـمشاركة... "  أَ وَلم تكُن هذه الكلمات من تأليفها ؟؟؟ أَ ولم تَـأْنَـسْ آذانـنـا هذه العبارات ؟؟؟ تَـعوَّدنا على نَـغْـمتـهـا حَـتّى آمَـنَّـا بها وَسَـكَـنَتْ قُـلُـوبَـنا وعُـقولنا، فردَّدَتْها ألـسِـنَـتـنـا بـطلاقة، أ لِـهَـذَا الـحدِّ أَلِـفَت المعلّمة تلك الـشّعارات الـرَّنَـانة، انـشـغَـلْـت بِـتـرديـدهَـا ونَـسِـيـت تَـطْـبِـيقـها ؟؟؟؟؟؟؟
مـوجة سُـخْطٍ، غَـضب وأَلَمٍ تـجتاح قـلبها، مزيج من المشاعر السّـلبية، تألّـمتْ رحاب كثيرًا وكُـسِرَ خـاطِرُها... نعم،أمـرٌ مُـحزنٌ ومؤلم... فَـتِلْكَ الأعـمال الّتي نقوم بها، نُـولِـيها عِـنايَةً خـاصة، نسقيها بالاهتمام ونَرُشُّ عليها عِـطر الصّدقِ والإخلاص تؤلم وتَـتْرُكُ نُدوبًـا  يَـحْفظ الزّمن أثرها إذا قُـوبِـلَتْ بالجُـحُـود، الـنُـكران والـتَّـنَـكُرِ.
    رنَّ جـرسُ الـخروج فَـاسْـتَفَـاقَـتْ رحاب من غَـيْـبُـوبتها الاختيارية وجَدَّدتِ العزم على مُـعاقبة مُـعلّمتها لعدم اهتمامها وتقديرها لجهدها... فهي لن تُـشارك ولن تدرس بعد اليوم.
 

      
 

أمينة زمور، أستاذة السنة الثالثة ابتدائي.

التعليقات

إضافة تعليق جديد