
حياة الوهم
الحياةُ قصة غريبة، فالإنسانُ يَعيش على سنن الدهر وتقلّبه، ولأنّها غريبة فهي تُحمل على الخير والشر، علَى التقدُّم والتعثُّر، وكنتُ لا أفقَه فيهمَا الكثيرَ، ولا أعِي مَا يحيط بي، و لم أكن أشعرُ بمَا وقَعَ وما سَيقعُ، لأنَّ جميلَ زمَاننا منكرٌ، زمانٌ قد مَضى ومنكَرُه جميلٌ، زمانٌ لم يَأت، وكنا نعلّق آمالنَا، ونستَسلمُ لمن يكبُرنا.
عندمَا كنتُ طفلا لم أكُن أعودُ إلى المنزلِ، أقضِي كل وقتي بالخارج مع أصدقائي، نركب الدراجات ونعدُو في كل مكان، نمشِي على ركبنا أو نبني بيتا خشبيًّا عاليًّا بين الأغصان، كنَّا نتبادلُ المنافعَ والفوائدَ، ونتقَاسم النكت والفرائد، كانَ لدينَا الوقتُ لأن نستمتعَ بالوقت، أعصابُنا مرتاحة، والخيال يأتينا بوفرة، بفضل المطالعة ،كانت جلّ ألعابنا تعتمد على الجماعة، كان يجمعنا الصفاءُ والنقاء والبراءة، لقد كانَ عالمًا مُخمليّا مزدانا بالقلوب كالدرر وأرواح باذخة كالطُّهر، وعندما كبُرت وجدتُ نفسي أصرخُ وحيدا في هذا العالم الموحِش، الحديقَة هادئة تماما، لا أحدَ يلعب الغميضة أو لعبة القفز، لا أطفال يمرحون، والأراجيح تَنتظر في سكون، لدي 500 صديق ولكنني وحيد ! أتكلَّم معَهم كلَّ يومٍ، ولكن لا أحدَ منهم يعرفني حقا.
سأكتُب عن قلوبنا التي ماتت وعن مشاعرنا التي جفّت، سأكتُب عن العالم الافتراضيِّ الذي نكتُب فيه كأننا نتكلم ونقرأ، كأننا ندردِش، أصبحنا نعيش كالروبوتات، لا تهمُّنا سوى اللاّيكات، إنَّنا نغدو غيرَ اجتماعيّين في مواقع، قيل إنَّها للتواصل الاجتماعي، غارقين في عالم مليئٍ بالغرور، الأنانيةِ، تضخيمِ الذات وتجميدِ الإنسانية، نتشارَكُ أفضلَ مَا لدينا لكنَّنا نستَبعِد المشاعِر.
سأكتب عن فرحَةِ الأعياد والزيارات التي سُرقت منَّا وعَن مُتعَة القلَم والكتابَةِ التي سُلبت منَّا، لا أفهَمُ الصمتَ الذي يُخيِّم في الحافلات والقطاراتِ المزدحمَةِ، لا أحدَ يتكلَّمُ خِشية أن يبدوَ مجنونًا. أنَا مذنبُ أيضا لأنَّني كنتُ جزءًا من هذه الآلة التي دمَّرت حياتنَا، بجعلنا غير مَرئيين فقد أصبحنا حقًّا جيلَ الحمقَى .. حيث الهواتفُ ذكيَّةٌ والناسُ أغبيَاء... أغبياء ... هكذا غَدتْ حياتُنا متعلقةٌ بكبسَة زرٍّ، علاقاتُنا مرهُونة بعددِ التعليقات واللايكات التي نَحصُدها، همّنا الأعظمُ إثباتُ وجودنا في عالم يَرتدي فيهِ روادُه ألفَ قناعٍ وقناع، ونحنُ ندركُ تمَامَ الإدراك أنَّه افتراضيٌّ ووَهميٌّ، ربما بسَبب نَقص ثقتنَا في أنفسنا، أو نتيجةَ ضعفنَا، لا ندري أنشغفُ بكُل جديدٍ لمجرَّد أننا متيَّمون بالعصرنَة أو لأننَا نخشَى أن نُوصم بالجهل إن قاطعنَاهَا، أصبحت لا أفهم، أو ربما لأنَّني لا أريدُ أن أفهم، أكانَ السبب ثقلُ الفهم، أم تعمّد الغفلةِ وَالنوم، في عَالَم الخيال والوهْمِ.
لا شك أن التكنولوجيا أعطتنَا الكثير لكنَّها سَرقت منا الكثير فهي كَنَهْرٍ بَرٍّ وخَيْرٍ، في بَحْرِ إِثْمٍ وشَرٍّ، إلا أننا نحتاجُ إلى الوسطية في كلِّ شؤون الحياةِ، نَحتاجُ لأن نرسُم حدودَنا في مُواجهَة هذا الغزو الذي ينهلُ من الإنسَانِ الوقت والذكاء والخيال والقدرات جميعًا.
(بتصرف)
- قرأت 796 مرة

التعليقات
إضافة تعليق جديد