المدرسة بين الانتقاء والارتقاء: المدارس العلمية عينة ونموذجا

في مقال لعلي عزت بيجوفيتش بعنوان "هل نربي المسلمين أم الجبناء؟"، يقول: "في الحقيقة، نحن نربي شبابنا تربية خاطئة منذ قرون، نتيجة لعدم فهمنا للفكر الإسلامي الأصيل".
نظرةٌ فاحصة في مدارسنا العامة والحرة والخاصة، يتبين منها أنَّ ثمة سبيلين أمام المدرسة في فلسفتها وفهمها لحقيقة التربية، وهما: إما أن تكون مدرسة انتقائية، أو تكون مدرسة ارتقائية. والجمع بين المنهجين متعذر، وقد يكون مستحيلا.
كيف ذلك؟
إما أن تكون المدرسة انتقائية، بأي شكل من أشكال الانتقاء: في العرق، أو في الجنس، أو في الطبقة الاجتماعية، أو في المستوى، أو في مدى الالتزام؛ وهذه غالبا هي أشكال التمايز والتميز الاجتماعي؛ ولكلٍّ وأسبابه ومبرراته.
أو تكون ارتقائية، تجمع بين الأعراق، والأجناس، والطبقات الاجتماعية، والمستويات العلمية، ونسب الالتزام؛ بلا تمييز ولا تنقية ولا تصفية؛ وبخاصة إذا كان لها حرية الاختيار أوان تسجيل التلميذ فيها، وأعني بذلك المدرسة العمومية حين تكون في حيٍّ راق، أو الخاصة أو الحرة، التي تملك حرية القبول أو الرفض.
في الحالة الأولى، أي المدرسة الانتقائية، قد تحقق المدرسة نتائج جيدة، في المستوى التنظيمي، وفي "اختبارات وشهادات الحاجز": الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية؛ وقد تكسب بذلك صيتا وشهرة، وتكون لمن لا يستوعب حقيقة التربية لفهمه الخاطئ بأصالة الإسلام، تكون له مثالا ونموذجا، رغم أنها ليست شرا كله، ولا يمكن أن ترفض كلية، بل وأحيانا نتكون مفروضة بحكم البيئة والمحيط وصورة التاريخ.
أما الثانية، أي المدرسة الارتقائية؛ فهي مدرسة تهددها شتى صنوف التقلبات، ويكون العمل فيها صعبا، وتنظيم الصف وتشذيب الأخلاق يأخذ جهدا مضاعفا، وقد لا تكون النتائج دائما حسب المأمول؛ فلا تجد المدرسة بالضرورة شهرتها ومكانتها الاجتماعية التي تصبو إليها.
هل هذا يعني أن تقبل المدرسة كلَّ واحد، مهما كان ضعفه أو مستواه الخلقي متدنٍّ سافل؟
ليست المدرسة بالطبع "مؤسسة لإعادة التربية"، وإنما هي مشتلة للتربية، فهي تضيف إلى جهد الأولياء عملا يحسن من سلوك الأبناء، فهي لا تؤسس التلميذ من الصفر، ولا تصنعه من العدم؛ وبالتالي فإنَّ مستوى معينا من الخلق بخاصة، ومن الإدراك العلمي كذلك، شرط ضروري للتلميذ، بحيث يكون الضابط أن لا يتعدى ضررُه إلى التلاميذ الآخرين، أي أنه حتى ولو كان فيه فساد أو نقص أو ضعف، فإنه لا ينقله إلى لِداته وأقرانه، ويعكر بذلك جو المدرسة، ومن ثم يطبق في حقه وحق المدرسة معنى القواعد الكلية: "التخلية قبل التحلية"، و"لا ضرر ولا ضرار".
لكن، كذلك، إذا قبلت المدرسة أصحاب النقاط العليا فقط، أو الذين تربوا تربية حسنةً فقط، أو أبناء طبقة اجتماعية راقية فقط، أو جنسا معينا فقط، أي الإناث أو الذكور فقط؛ فإنَّ النتيجة تكون "تشكيل مجتمع مكيف اصطناعي" ليس له تمثل حقيقي في واقع الناس؛ ومن ثم فإنَّ هذا الطفل ينشأ على نمط معين، وحين تنتهي دراسته يصطدم بالشارع، وبالواقع، ويكون في الغالب عاجزا عن التفاعل معه؛ فيفقد توازنه، ويفقد المجتمع تناغمه.
أقول هذا، وأنا على وعي تامٍّ أنَّ المسألة تعني "المدارس العلمية" قبل غيرها؛ وهي في مرحلة اختيار الطرق والنماذج، واختبار الفروض والاحتمالات؛ ومن ثم فقد يكون جميع ما ذكرتُ من إيجابيات وسلبيات متمثلا فيها قبل غيرها؛ ذلك أنه أريد لها من أول يوم أن لا تكون – بفروعها – نمطا واحدًا، وأن تعمل على إيجاد وصناعة "النموذج" لمدرسة جزائرية، لها القدرة على تمثل الواقع والمجتمع كما هو، لا كما تريده أن يكون؛ وبذلك تنال فضل الارتقاء بالمجتمع، لا أن يقال عنها "الكلام المنمق" وكفى.
فهل حققت "المدارس العلمية" مقاصدها التي صيغت لها، والتي لا تزال تصاغ؟
سابق لأوانه أن نصدر الحكم، والغالب في الناس اليوم هو الانطلاق من مثال أو مثالين، ثم تعميم الحكم، إما إيجابا أو سلبا؛ من مثل أن يكون للواحد ابن نال نقاطا جيدة في شهادة معينة، فيعمم الحكم بالانبهار مثلا؛ أو أن لأحد تجربة فاشلة مع إحدى المدارس فيطلق وابل الانتقام عليها بلا وعي ولا روية؛ وهذا منطق أعوج في فهم حقيقة التعليم وصعوبته.
كذلك، ليس من الحكمة في شيء أن نتعصب لها أو نتعصب عليها، مهما كانت المبررات؛ ذلك أنَّ "المدارس العلمية"، وأخواتها والقريبات منها والبعيدات، مجتمعة، لا تزال في بداية الطريق، ولا تزال تصارع الأمواج العاتيات من تراكمات الماضي، ومن الترسبات الذهنية والبيئية والسياسية والفكرية... التي لم يكتب لها أن تمرَّ على "مشروع مجتمعٍ شامل"، وذلك من فجر الاستقلال إلى اليوم.
وبالتالي، فإنَّ المدارس الخاصة والحرة، هي "قاطرات للتغيير"، وليست هي الحقل ولا هي المجال الأخير للتغيير؛ فقد ننقذ من خلالها مائةً أو ألفا من التلاميذ، ولكن يبقى الملايين من التلاميذ، ومن أبناء الوطن، ينتظرون حظهم من الاهتمام، ولن يتأتى ذلك إلا عبر "المدرسة العمومية"، والمدرسة المستوعبة لجميع أبناء هذا الوطن، بلا انتقاء... ولكن، بنية الارتقاء.
في جلسة حميمية بقصر بنورة المضياف، كانت لي مع الأعيان حوارات صريحة؛ وحين السؤال عن المدرسة العلمية، قال شاب كان ضمن الحاضرين: "سمعنا انَّ في المدرسة العلمية بعض البنات يلبسن الفيزو (سروال قصير مشخص""؛ ورغم أنَّ الأمر ليس كذلك؛ فقد يكون ثمة حالة أو حالتين، إلا أنني أجبته بالآتي: ما دامت المدرسة العلمية لا تستقبل بنات يلبسن الميني جيب، فهي لم تحقق بعد أهدافها التي صيغت لأجلها.
تحير الشاب، وقال: لم أفهم.
قلت له: هل هذه البنت التي تلبس هذا اللباس لها الحق أن تعرف الحق، وأن تسمع الحق، وأن تهتدي بالحسنى؟ أم أنه غير مأسوف عليها، وعلينا أن نلقي بها في الجحيم؟ باختصار: هل نعتبرها ابنة لنا أم هي غير ذلك؟
قال، نعم هذا واجبنا، وذلك حقها.
فقلت: أتمنى أن يكون "للمدرسة العلمية" فروع بها جميع بنات الجزائر، بكل أطيافهنَّ، وأن لا تلبس الواحدة منهن حجابها، ولا تستر عورتها، إلا باقتناع وروية، وأن لا يكون الهدف سوى "تأمين الطريق لها"، لا أن نخوفها بالإسلام، ونرهبها باسم الإيمان، أو أن نجمع كلَّ المتحجبات في جزيرة واحدة، ونميزهن عن المجتمع، كما جمع البعض كلَّ السافرات في جزيرة، وهو حاليا يعمل على كسب قلوبهن، والغالب فيهن – حسب اعتقادنا - هو "العفة والطهارة" لا "الفساد والدعارة"، إلا أن عدم لبسها للحجاب قد يكون لأسباب اجتماعية، ولظروف سابقة لا سلطان لها عليه.
رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة المنورة كل الأطياف من الناس: المؤمنين والمنافقين والكفار والمشركين وأهل الكتاب؛ ووثق العلاقة بينهم بميثاق وعهد للأمان، وكان يصلي إلى الكعبة في مكة وفيها أزيد من ثلاثمائة صنم؛ فهو لم يغادر الساحة، ولم يشترط "بيئة مكيفة طاهرة معقمة" للعبادة والارتقاء؛ كذلك نحن.
وحين الدخول المدرسي تقدم ولي إلى مدير المدرسة، وهو يحتج أنه رأى بنتا في الصف الأول ابتدائي، ترتدي لباسا بدا له غير سوي؛ فقال للمدير: هل تقبلون بهذا؟ وهل بناتنا يدرسن مع أمثال هذه البنت؟
أجابه المدير: طبعا، فإن كنت قد ربيت ابنتك، وهي مقتنعة بما تلبس، فإنها ستؤثر ولا تتأثر؛ وإن كان ما تفعله وما تقوله ليس عن قناعة وإيمان، وإنما جاء بالقهر والشدة والتقليد، فإنها حتى ولو لم تدرس مع هذه، سيأتي اليوم الذي تخلعه عنها... والعالم اليوم مفتوح على مصراعيه، لا باب له ولا صور...
ويبقى السؤال المحير: لو أننا أقصينا من مدراسنا فئة معينة من أبنائنا وبناتنا، ثم اقتصرنا في التربية والتعليم على فئة معينة؛ لاعتبارات معينة، وأسباب قد تكون مقبولة أو غير مقبولة؛ فهل نحن نكرر تجربة التمييز العنصري، الذي مارسته فرنسا ضدنا، للأسف، لأزيد من قرن من الاستعمار؟ وهل نعمل بذلك على تفكيك عرى المجتمع عروة عروة، من حيث أردنا الصلاح والإصلاح؟
ورسالتي إلى "المدارس العلمية"، وإلى كل مدرسة ومدرس في وطننا العزيز، أن نجتهد سويا، معا، متكاثفين، متعاونين... أن نربي "مسلمين أقوياء أسوياء أبطالا، لا مستسلمين وديعين، خدما". ومرشدي في هذا هو مقال يكون لعلي عزت بيجوفيتش، بعنوان: "هل نربي مسلمين أم جبناء؟".
وتبقى تجربة "المدارس العلمية" تجربة بشرية لها وعليها، وهي جهد واجتهاد في مواجهة الكثير من الشكاية والنكاية، وفي حرب ضروس مع الهرج والمرج، ولكن مع ذلك، هي من رَوْح هذا الدين تستنير في مسيرتها، ومن روح هذ الوطن تستمد منه نفحتها: هي مدرسة جزائرية، وكفى.

ـــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: مقال للدكتور محمد باباعمي نشر في موقع فييكوس..

د. محمد باباعمي

التعليقات

إضافة تعليق جديد