
الفايسبوك وتأثيره الأنثروبولوجي والسيكولوجي على الأفراد والمجتمعات
يشكّل التّواصُل أحدَ الوسَائل الّتِي بهَا يَستطيعُ الإنسَانُ فَهمَ غَيرهِ وإدرَاك مَكنونَاتِه، وحتّى التّأثيرَ عليهِ عَبرَ رَسائلَ وَأشكالٍ وصُور يتناقَلهَا بَينَهُ وبَينَ الطّرَف الآخر، كمَا لا يُمكنُنا تَخيّلُ نمُو الأممِ والمجتمَعَاتِ بعيدًا عَن فكرَةِ الاتصَالِ، وتبادُل المعلُومَاتِ، لَكن الاتصال من ناحيَةٍ أخرَى يأخُذ شكلَه السّلبيَّ حينمَا يَقُوم الإنسَان بتعَاطيهِ بطرقٍ عشوَائيَّةٍ وغيَر دقيقَةٍ، أينَ يُصبحُ عالَةً علَيهِ، وَعلَى المجتَمَعِ، وبمَا أنّنا نَعيشُ في عَصر التّواصُل والسّرعَةِ وتبادُل الأخبَار بوسَائل تَخطّت الحوَاجزَ الجغرَافيَّة، فإنّ الفايسبُوك أصبَحَ أحدَ تلكَ المواقعِ الالكترونيّةِ الّتي شَهدَتْ روَاجًا كَبيرًا، علىَ مُستَوى العَالَم، حيثُ تسمَحُ للمشتَركِ بالتّوَاصُلِ المفتُوحِ مَعَ غَيرهِ مِن المجتَمَعَاتِ مقلّصَةً المساحَةَ وَ الزّمنَ، كمَا تَفتَحُ مجَالاً واسعًا، أمامَ تَبادلِ المعلومَاتِ والأخبَار، ومع مرور الوقت أصبح الفايسبوك أيقونَةَ التّأثير والسّيطرَةِ على الرأي العام العالمي بضمّه ل1.59 مليار مشتركٍ إضافَة الى شركاتٍ ومنظّمَاتٍ مجتمعيّةٍ و مَدنيّة، وبالرغمِ منْ أنّ الهدَف من إنشاءِ الفايسبُوك، هُو جَعلُ العالَم أكثَر إنفتَاحًا، والتّعرّفُ علَى أشخَاصٍ يَبعدُونَ عَنك بمسَافات وأميَالٍ، إلاّ أنّه أبعدَ الفردَ من حيَاتِه الاجتماعية، أين أضحَى التّلميذُ بعيدًا عن مُحيطهِ العائلِي وَالأسرَي مُتعلّقا بالفايسبُوك، مُتناسيًا وغافِلا عنْ عدّة أشيَاء أساسيّةٍ، في حيَاته العُمريّة، فيبتِعد عَن الاستمتاع مع أصدقائهِ، وَلا يَجد وقتًا للجلُوسِ معَ عَائلته، أو حتّى فترة من الزّمن لمراجعةِ دروسِه أو تَرتيب أغرَاضِه، حتَّى يَدخلَ في متَاهَةٍ من الإدمَانِ اللّامُتناهِي، وَلقد استهوى الفايسبوكُ عقولَ التّلاميذِ إلى درجة ارتباط مُعجمهم اللّغويِّ، بكلماتِ ذاتِ صيغَةٍ فايسبوكيّة، سواءً كانَت فرانكوعَربيّة، أم كلماتِ ذاتِ لهجَة عاميّة، ممزوجَةٍ باللّغة العربيَّةِ الفصحَى، مَا أدّى إلى فقدانِ مواهبَ عَديدةٍ، في الفنّ والأدب بشكلٍ خاصٍّ، ونظرًا للولَع الشّديد بالتّكنولوجيَا، وحُبّ الجيل الجديد للإثارة والسّرعةِ من جهة أخرى، وبسَبب الفايسبوك أصبح الفرد مهووسًا ومُدمنا على تقنيةِ الإعجابات، فإذا نَقصَت تلك الإعجابات، يبدأ في طَرحِ الأسئلةِ على نفسه، عن مدى تقدير الآخرين لذاتِه أو البحْثِ ،عن السّبب الأساسي لعدم الاكتراثِ لمنشوراته، ليدخُلَ في مشاكلَ نفسيّة، قد تؤدّي به إلى الجنون، وإنّ من الأشياء الّتي ربّما لا تراهَا العينُ المجرّدةُ في الفايسبوك .
إنّ هذا الأخيرَ، خلقَ نوعا من الطّبقيّة بين المجتمعاتِ لأعدادها عَلَى نار هادئةٍ، يزيد من حجمها مَتى تسنّى له ذلك، حيث يجدُ ذلك الشاب الفقيرُ نفسه أمام موجة عارمَةٍ من المغريات الماديّة، التي تَتمتّع بها المجتمعات الغنيّة، ليفقد الأملَ شيئا فشيئا، فنجدُه تارة يسُبُّ وطنهُ، وتارة أخرى يَلعن مجتمَعَهُ، وأحيانًا ينتهي به المطافُ إلى الانتحَار أوْ الهجرَةِ غير الشّرعية، إنَّ الإشكاليّة لا تنتَهي عندَ هذا الحدِّ بلْ تتَعدّاهَا إلى أكثرَ من ذلكَ، لتجدَ المجتمعَاتُ نفسُها أمامَ معْضِلة حَقيقيّة، لأنّ المجَال مَفتوحٌ للحديثِ مع أي فردٍ كان لونُه أو جنسه أو عرقُه أو شكله حتى ولو كان إنسانا مجهولا، والدّخول في عالم المغامرات وَالفضول هو ما يحبّذه الأطفال والمراهقون بالخصوص، إذ يجدُه في البداية ممتعا، غير مدركٍ لنهايتهِ المأساويّة، وقد يَتساءلُ الكثير عن سَببِ مجّانية موقع الفايسبوك بالرّغم من أنّه قد تلقّى رواجًا كبيرًا عَلَى مستوى العالم، في حين أنّ الفرد هو البضاعة بحدّ ذاتها حيث يقوم الموقع بدارسة نفسيّة للشّعوب واحصاء توجّهاتهم الثّقافيّة والتّجارية ليضَعها تَحتَ خدمةِ أصحابِ النّفوذِ، كلُّ هذا وَتلك هيَ بَعضُ الأضرَارِ المكلفَةِ الّتي سيتأثّر بهَا الأفرادُ، جرّاء الاستخدام غيرِ العقلاني، لهَذا الموقِع، وَربّما قد يظنّ القارئُ من خلالِ مَا سَبقَ، أنّني ضدّ الفايسبوك أو ربّما أسعى إلى حَظرهِ على الأطفال والمراهقين، إلاّ أنّني عَكس ذَلكَ تماما، فأنا أنصحُ باستعماله فِي المعقول، وبما يَخدمنا نحن، لا بمَا يخدم الآخر، ولكي لا نمنَح له جلَّ وقتنَا ونستفيد منه، فلا نَسرف وَلا نقتّر في ذلك، خاصّة وَأنّنا في عصر السّرعة والتّكنولوجيا، نحتَاجُ فيهِ بكثرة إلى التّواصُل، الذّي هو شريَان تطوّر الأمم وتقدّمهَا، ومِن ناحيَةٍ أخرى يتوجّب علينَا نحن كَمجتمَعٍ، أن نَربيّ نَشأنا علىَ أسلُوبِ التّخطيطِ في الحيَاةِ، و دَوره في تحقيق النّجاح وكيفيّة استغلالِ التّكنولوجيا بطرق لا تَضّر بذكائنا وعقولنا، وإنّ وضوحَ الهدَفِ وامكانيّة تحقيقه علاوةً على اتخاذ القرار وَالدّافعيّة من بَين الشّروط المهمّة للنّجاح، وَيجبُ على التّلميذ أن ينظّم وقتَهُ حَسبَ سَاعتِه البيولوجيّة والشّخصيّة، التّي تُوائم رغباته وميُولاتِهِ، ولا تتَعارضُ معَ واجباته ونشاطاته المدرسيّة، وكما يقول المثل'' لا يستقيم الظّل والعود أعوج''، وبذلك نصبحُ نحن كمجتمع مسؤولينَ وبشكلٍ كبير على إنشاء جيل راشد يمتلك بوصلَة مَتينَة أمام أمواج الحيَاة العصريّة..
- قرأت 361 مرة

التعليقات
إضافة تعليق جديد