الطِّفل في داخلنا

في غابةٍ واسعةٍ جلسَ ذلكَ الطِّفلُ على ضفافَ تلك البحيرةِ الزّرقاءِ البديعةِ يتأمَّلُ مياههَا النقيَّةَ، ويلعبُ بقذفِ الحصَى على سطحهَا الَّذي يتوتَّرُ ويضطربُ بعد كلِّ رميةٍ، هو لا يأبهُ لأيِّ شيءٍ، بريءٌ  كبراءةِ الزُّهورِ الجميلةِ المزهرةِ.
لا وجودَ في فكره لأيِّ شيءٍ، سِوى الخيرِ فهو صفحةٌ بيضاءٌ وسجلٌ نظيفٌ من الزَّللِ.
يحرِّكُ قدميهِ ذهابًا وإيابًا مسليًّا نفسهُ يردِّدُ أغنيةً عن السّماءِ وجمالهَا وعن الأرضِ وسحرهَا؛ يا لهُ من طفلٍ مُذهلٍ!!! 
عجيبٌ أمرهُ وكأنَّهُ ليس من سكّانِ الأرضِ، كُلُّ وقتِهِ سعادةٌ في سعادةٍ لا ينغِّصُهَا عليهِ لا حالةٌ ماديّةٌ ولا عوزٌ ولا حتَّى حربٌ.
الكلُّ مشغولٌ بحروبهِ الخاصّةِ، ويبقى هو حمامةَ سلامٍ، كُلُّ ما يهمُّهَا أن تعيشَ وتتذوَّقَ حلاوة الأيامِ لتُشرقَ روحهُ بتلك الذِّكرياتِ الَّتي لا تُنسى مع مرِّ الزَّمانِ.
ذلك الطِّفلُ كَبُرَ ونَضجَ في فرنِ التَّجارب، وكلَّما ازداد عُمرًا ازدادَ وعيُهُ وتفكيرُهُ، وقَلَّتْ متعتُهُ للأشياءِ الَّتِي يحبُّها شيئًا فشيئًا.
تلاشى العالمُ الخيالي الَّذي كان يعيشهُ واختفَت تلكَ البحيرةُ السِّحريَّةُ من حياتِهِ وأصبحَ الآنَ شخصًا قابعًا في جزيرةِ الواقعِ الّذي يعيشهُ يومًا بعدَ يومٍ.
تِلك هي الحياةُ يكبُرُ فيهَا ذلك الطِّفلُ ويقطِفُ ثمَارَ مَا فعلَ في حياتِهِ ليَنشَأَ أطفَالًا آخرونَ يحملونَ نفسَ جينات البراءةِ فِي أنفُسِهِم وفِي نبضاتِ قلوبهِم الرَّقيقةِ، جميلٌ أن تكونَ أروَاحُنَا بريئةٌ كبراءةِ ذلك الطِّفلِ.
الطِّفلُ في داخلنَا موجودٌ دائمًا لكنَّ ظروفَ الحياةِ جعلتهُ يتلاشَى ويُذكِّرنَا أنَّنَا غسلنَا أنفُسنَا من أنفسِنَا وتخلَّينَا عن تلك النَّفسيَّةِ الجميلةِ.
آهٍ على الطُّفولةِ ما أجملهَا!!! كُلُّ لحظةٍ، وكُلُّ بسمةٍ وحتَّى كُلُّ شجارٍ يبقَى محفورًا فِي ذاكرتنا مهمَا كانت بليدةً وجَامِدةً.
خِتامًا أقولُ: " مهما مضى من الدَّهرِ سيبقى الطِّفلُ في داخلنا يحنُّ إلى الطُّفولةِ وإن حدث وقتلناه بداخلنا ستصبحُ حياتنا عندئذٍ بلا بهجة، بلا طعم وبلا لونٍ، جافةٌ وخاليةٌ كأشجارِ الشِّتاءِ العاريةِ من الخضرة ".
 

العايب سعيدة، معلّمة السنة الأولى ابتدائي.

التعليقات

إضافة تعليق جديد