الحياة منجم والنّاس فيها... معادن

لطالما شكّلت تركيبتُنا البشريّةُ، عاملَ جذب قويٍّ للتّأمّل في منن المصوّر... ذاكَ الخليط المحيّرُ فيزيائيًّا ووجدانيًّا، تناغمٌ لا متناهٍ، وكتلةٌ من العطايا والهبَات، الّتي أعجزتْ وما تزالُ تُعجِز، ثمّ أقعدَت من شكّك وزاغ، كلٌّ معقَّد بداخله محرّكٌ غريبٌ، بل أغرب المحرّكات علَى الإطلاق، ما علّمتنِيه علومُ القسمِ، أنّه عضو عضليٌّ محاطٌ بكيس مجوّف لحمايته، متشعّبةٌ منه شرايينُ دموية؛ أمّا علوم منجمِ الحياة فتركتْنِي دومًا أحتار في توصيفه؛ مضغةٌ إن صلُحت صَلُح الجسد كلّه، وإن فسُدت فسُد الجسدُ كلُّه، هو الجزء والكلُّ، وهو الجوهر في آن واحد، إنّه لبُّ المعدن...
في صِباي حينما كنتُ أمتعضُ من بعضِ المواقف، وأُضرب عن الكلام عنادًا وشقاوةً، كان آخر ما يتبقّى في ذهني -عندما يصفو-كلمات من بعض الكلمات، الّتي ظلّت راسخة في ذاكرتي "النّاس معادن" فلا تجزعي يا بنيّتي، تمسّكي بمبادئك، بجوهرِك، ودعِي الخلق للخالق، الاختلافُ واجبٌ ومشروع، والتّباينُ سنّة وفطرة جُبلنا عليها، حتّى وإن كانتْ طبيعة البشر خيّرة، تبقى معادنُنا مختلفةٌ، لم أعِ آنذاك، معاني تلك الكلمات مع أنّها أضحت من مبادئي؛ لم أفقَهها حتّى خبرتُها، وعاينت بضع مواقف مُبهرة.
النّاس معادن منّا الذّهب والفضّة ومنا الحديد والنّحاس، ومنها الماس والياقوت... تفاوتات في المركّب والخاصيّة، الأنقى والأبقى دومًا هو جَوهرُنا.
قد نغتر بظاهر المعدن أحيانًا، و بمعاينة بعض خواصه قد نُجزم بصفائه، أمّا المعدن الصّافي الأصيلُ، فلا جدال فيه، لأنّ ظاهرَه ينبثق وينعكس من جوهره، فيزيده إشعاعًا وبهاءً.
فلنحاول أن نأخذَ من المعادن أجمل ما فيهَا، مرونةَ التّشكيل، جمالَ المظهر، الصّلابة َوالمرونة، نقاءَ اللّب، مقاومة َالصّدأ، سرعةَ التّفاعل، الثّقل والمتانة... حتّى وإن استَصعبْنا معاملةَ النّاس بمبادئنا وخصائصنا، فأقلُّ واجب علينا، هو أن نحترم اختلافَهم عنّا، ثمّ أن نعذُرهم عن، لأنّ النّاس معادن.
 

الأستاذة: حسينة بلقاضي/ معلمة السنة الرابعة ابتدائي

التعليقات

المعاني والأفكار والأسلوب الوارد في المقال معدن جميل وجدير بالاهتمام، أجدت أستاذة في سبك هذه الحبكة، بورك فيك، فلك قلم جيد وفقك الله ونفعنا بك في مناسبات ومواضيع أعمق لترتقي سلم الفكر والعلم بجودة إن شاء الله.

إضافة تعليق جديد