
التّربية والتّغيّير الحضاري
لمَاذا نُربي؟ ما الهدف من التّربيّة؟ ما غايتُنا التّربويّة؟ ما وسائلنا؟ أسئلةٌ يجب أن يطرحها كلُّ مربٍ، كلُّ معلّم، كلُّ إنسانٍ مهتمٍّ بالتّربيّة والتّعليم، ببسَاطة نحنُ نربّي، من أجلِ أنْ يتكيَّف أطفالُنا معَ وسطهِم الاجتماعيّ، لكَي يصبحُوا قادرينَ على اكتسابِ الهويّةِ الاجتماعيَّة في ميادينِ العمل والإنتاجِ، وبعبارة أخرى نحنُ نربّي أطفالَنا من أجل أنْ نحقّقَ لهُم السّعادةَ في حياتهم الاجتماعيّة الآنيّة و المستقبليّة، لكن مَا الذي نريد نقله إلى أطفالنا من خلال العمليّة التّربويّة؟
هلْ الثّقافة السّائدةُ في المجتمع الذي نعيش فيه، أو ثقافةُ المجتمع الذي عشناهُ سابقًا.
يركّز بعضُ الأباء والمرّبين في تربيّةِ أبنائهم على نسق مِن تصوُّراتهم، واعتباراتهم التّقليديَّة الخاصَّة، وهُم لا يقيمون وزنا لطبيعةِ التّغيّير الحضاري المتسَارع، إنّهم يريدون لأطفالهم أنْ يكونُوا صورةً طبقَ الأصْل لما هم عليه، ولمَا تعودُوه و نشأوا عليهِ في طفُولتِهم وشبَابهِم، وهي تربيّةٌ تتَّصف بالأنانيّةِ، كما أنّها تخالفُ منطقَ التطوُّر فهي تؤدّي إلَى انحراف الأطفالِ، وفقدان القدرة على التّكيّف والنّمو و الإزدهَار، فالتّربيّةُ التسلطيَّةُ على سَبيل المثال، التي تَسعى إلى إخضاع الأطفالِ وَتشكيلهم وفق قوالبَ جاهزةٍ، هي تربيّةٌ جاهلَةٌ للحيَاة، وجاهلة لطبيعة الطّفل، وما يحتاجُه من حبٍّ وحنانٍ، والتي تُعتبر ضروريةً لنموُّه وازدهاره.
فالتّربية حَسب مالك بن نبي، هي عمليّةٌ تثقيفيّةٌ متواصلةٌ، وليست ظرفيّةً تتعلَّق فقط بمرحلةٍ تاريخيّةٍ معيّنة، وإنّما هي حركةٌ دينامكيَّة تتطوَّر بتطوُّر المجتَمع.
لكيْ تكُون التربية من أجل أطفالنا، وليس من أجلنا نحنُ، من أجل أنْ تكون التربيَة لعصرهِم، ولَيس لعصرنا، تتجلّى أهميّةُ الوعي الشّامل، لطبيعة العصر كلّه والوعي التربويِّ على وجه الخصوص، فالعمليّة التّربويّة لمَ تعُد كمَا كانَت في عُهودٍ سابقَةٍ نوعًا من السّلُوك العفوَي البسيط( الملقن والمتلقي)، وإنّما أصبحَت اليومَ عمليّةً تتَّصف بدرجةٍ عليَا من الدّقة، ونحنُ بقدرٍ كبير من الثّقافة التّربويّة، كي يُتاح لنا أن نمارسَ فعلَنا التّربويّ دونَ مخاطر أو انعكاساتٍ سلبيّة علَى نموّ أطفالِنا.
يمكن لنَا أن نؤكّد في سُلّم الأولويّات، نحو وعيٍ تربويٍّ، يجنبُنا ويجنبُ أطفالنا الوقوعَ في مطبّ الإشكالات التّربويّة الحادّة.
1/ يجبُ أن ندرك العصرَ الذي يعيش فيه أطفالُنا والعصرَ الذي أحاطَ بطفولتِنا.
2/ يجب أن نعيَ أن الطّرقَ التّربويّة التّقليديّةَ، لم تعُد صالحةً ومشروعة في تربيّة أطفال اليوم، كمَا يجبُ علينا أن نعرف الجديدَ والمستجدَّ في المناهج التّربويّةِ الحديثة والمتطوّرة، والتِي تنسَجمُ معَ طبيعةِ العصرِ، ورُوح الحياة المتغيرّة والمتجدّدة.
3/ يجب أنْ نعيَ أيضًا تأثيرَ المثيراتِ التّربويّة الجديدة، والتي تتعلَّقُ بوسائل الإعلامِ وَ وسائل التّواصُل الاجتماعي.
4/ إنَّ مبادىء الحريّة والتّسامُح والعقلانيّةِ والتفهُّم والوعيِ والديمقراطيّة، قد أصبحَت مبادىءَ العصر، ومبادىء كلِّ عملٍ تربويٍّ خلاّقٍ، يتجهُ نحوَ تَفجير الطاقَاتِ، وصقل ِالمواهب وتحقيقِ النّمو السّليم عند الأطفَال.
5/ يجبُ أن نضعَ في اعتبارنَا أهميّةَ و ضرورةَ تنميّةِ الوعيِ التربويّ، في كلّ حينٍ وأن نُخضعَ تصوراتنَا الماضيَةَ للنّقدِ والتّحليل وإعادة النّظر... لأنَّ الاكتفاءَ بما لَدينا من معرفةٍ تربويّةٍ، يعني فِي نهايَة المطافِ، العزلةَ و الإختناقَ والرّتابة.
وأخيرًا، أن ننطَلق في كلّ عمَلٍ تربويٍّ، من مَبدأ التربية لزمن مُتغيّر، فالتّربيّة اليومَ ليست للتّأقلُم، مع ماهو قائمٌ فحسب، بلْ يجبُ أن تكُون تربيةً متغيّرة، قادرةً على احتواءِ الجديدِ، والحكمةُ في ذلك أن نمنحَ أطفالنا طاقاتٍ متجدّدةً، على التّكيّف معَ الجديدِ.
ينبغِي القيامُ بعملية تصفيةِ عاداتنَا وتقاليدِنا، وإطارنا الخلُقي والثّقافي ممَّا فيهِ من عواملَ قتّالة ورمم لا فائدة منها، أيْ بطريقةٍ سلبيّة، تفصلُنا عن رواسبِ الماضِي، وفِي مرحلةٍ لاحقَةٍ، ينبغِي القيام بعمليَّة تَطعيم هذا الوسطِ الثّقافيّ، بأفكار فعّالة تَبعث فيهِ الحياةَ من جديد، أيْ بطريقةٍ إيجابيَّةٍ، تصلُنا بالحياة الكريمة وهذا مَا يسمّى بالتّجديد الإيجابي
مالك بن نبي - التربية والحضارة -
- قرأت 751 مرة

التعليقات
إضافة تعليق جديد