
التّربية والتّعليم لا يقبلان القسمة على اثنان
الذّهنية الحضاريّة هي ميراث ما يمتلكه أي مجتمع كان، وما يحوزه من مقوّمات نفسيّة ودينيّة وثقافيّة ومؤهّلات جغرافيّة تعكس هذه القدرات، والّتي هي نتاج لوعي مشترك بالتّراكم التّاريخي وادراك لمسار الزّمن، وما يجمع الأفراد ويدفع بهم نحو الرّقي وينئ بهم عن الأخطار مهما كان لونها، وتبقى الأمم الّتي تنحو خلاف هذه المعايير بعيدة عن مجرى النّهر أو تكتفي باستغلال روافده الّتي سيؤول بها المآل إلى النّضوب والجفاف، وإنّ من الأشياء الّتي نلمسها في واقعنا ونعيشها بأبصارنا، هي محاولات متكرّرة لفصل التّعليم عن التّربية أو جعل هذا الأخير متغيّرا ثانويا أو عنصرا مجرّدا له علاقة برقعة جغرافيّة محدّدة، حتّى تترك التّربية للمنزل وتتكفّل المدرسة بالتّعليم، في حين أنّهما كفّتان لميزان واحد ويكمّلان بعضهما في الشّكل والمضمون، فإذا أخللنا بالتّربية أنشأنا جيلا حاصدا للمعارف والعلوم بشتّى أنواعها لا يعرف لهويّته ودينه وسبيله زمانا ولا مكانا، وان نحن شدّدنا على التّربية دون التّعليم فسيكون أمرنا كمثل الّذي يصطاد الأسماك للآخرين ولا يعلّمهم كيفية القيام بذلك، إن التّعليم متوقّف على اكتساب المهارة أمّا التّربية فهي مرهونة بإدراك هذه المهارة، وكما أنّ رقيّ المجتمعات له علاقة وطيدة بالوعي الحضاري وما يحمله من مقوّمات تاريخيّة وهوايتيه، كذلك الإنسان واحساسه المتعلّق بالقضايا الكونيّة يستلزم الوعي العميق بهذا الوجود، ولا يوجد شكّ في أن التّاريخ قد يشبه نفسه، وقبل سنوات كان المجاهد والعالم المفكّر ''عبد الحميد ابن باديس'' يكافح ويناضل ضدّ استعمار التّنميط، وها نحن ذا أمام أزمة الفصل بين التّعليم والتّربية، ولو كانت أقوالا جوفاء إلاّ أنها ستمسّ الصّميم والمظهر ولو بعد حين، ان نحن فتحنا لها صدورنا، ورسمنا لها طريقها ومسارها دون وعي من ذواتنا، ولا جرم أنّ الخروج من المأزق يتطلّب إدراكا صاحيا بذلك وسعيا ميدانيا نحو إيقاد الشّموع بدل اطفائها ورفع همم التّلاميذ بتربيتهم حينا وتعليمهم حينا آخر، حتّى ينشؤوا ''متعلّمين مثقّفين لا مُتعْلمين ، ومرابطين لا مُرتْبطين'' طبقا لما قاله إمامنا الشّهيد عبد الحميد ابن باديس.
- قرأت 861 مرة

التعليقات
إضافة تعليق جديد