الأنشطة الرياضية ودورها في تعزيز قيم المواطنة

المتصَفّحُ لكتُب ِالتاريخِ تَستوقفُه محَطَّاتٌ كثيرَةٌ لهَا عَلاقَةٌ بمجَالِ الريَاضَة وَالموَاطَنةِ، فالحضَاراتُ القديمَةُ التِي صَقلت تَطوُّر البشريَّةِ كانَت تُولِي أهميَةً بالغَةً للتربية البدنيَةِ وَالرياضَة، ومثال ذلكَ المسارحُ الرومَانيَّةُ التي كانَت تُشكِّلُ حلبَةَ صراعٍ لتأكِيدِ الموَاطنَةِ والوَلاءِ، وَالفوز برهانِ الانعتَاقِ،  فكانَت للريَاضَةِ عَلاقَةٌ كبيرَةٌ بالحريَّةِ وَالرغبَةِ في نيلِ الاعترافِ وَحثِّ الذاتِ لاعتنَاق قِيمِ الانتمَاء. مَازالتْ الريَاضَةُ تعمَلُ على رعايَةِ النشِءِ منذُ نعومَةِ الأظفارِ علَى التحلي بالعقْلِ السلِيمِ فِي الجسم السليم، وَالأقوالُ المأثُورَةُ فِي التربيَةِ الدينِية، هِي الأخرَى أولَت العنَايَةَ الكافيَةَ للريَاضَةِ كأسلُوبٍ صحيٍّ فِي  المحافظة علىَ النسِيج الاجتمَاعِي.
منذُ الألعَابِ الأولمبيَةِ الأولَى باتَت الريَاضَةُ كسَفيرٍ تتبَاهَى بها الأمَمُ فِي المحَافِلِ الدوليَةِ، كما أنَّ كلَّ أنوَاع ِالريَاضَةِ فرديَةً أو جمَاعيَّةً تعتمِدُ أسلوبَ التسليَةِ وَالإثَارَةِ، والمنافسَةِ لجلبِ المتعَة، إذْ الكثِيرُ من الجمَاهِير والحشُودُ تستهويهَا المنافساتُ الريَاضيَّةُ، لدرجَة أنَّ طقوسَ وأعرَافَ وَأساليب التسويقِ وَالإشهَارِ ما فَتئتْ تُراقبُ المواعِيدَ لتَظفر بالربْح.
من هنا أصبَحت مرافقَةُ الرياضة بالرعَايَةِ وَالتوجيه ِوالإعدادِ بأساليب تطورَتْ معهَا تكنولوجيَاتُ الرياضة، فضلا عَن ذَلكَ تتعَاطَى وَسائلُ الإعلام بجمِيعِ أصنَافِهَا، ذات ِالطابعِ الإخبَاري والتنَافُسِي كلُّ هذهِ المعطيَاتُ تَربطُ الريَاضَةِ بالموَاطَنَةِ بدُون مُنازعٍ.
في هذَا السياق العام للرياضة والسياقِ الخاصِّ للمُتابعَةِ وَالتشجِيعِ تعمل المؤسسات الاجتماعية على ترسيخ المواطَنَةِ كشُعورٍ يَحتَاجُ إلى الرعايَةِ لتعزيز الذَاتِ وَالانتماء من حلالِ تَفعيلِ العمَلِ الريَّاضِي كأسلُوب لبنَاءِ قيمِ الموَاطَنَة.
والرياضة أصبحت في عصرنَا الحاضِر ظاهرَةً اجتمَاعيَّةً وثَقافيَّةً واقتصَاديَّةً وسيَاسيَةً تستقطب اهتمامَ جَميعِ شَرائحِ المجتَمَعِ، وذلكَ في زَمن اتسَعَ فيهِ الاستهلَاكُ الإعلاميُّ للنشَاطِ الرياضي، ممَّا نتجَ عنهُ زيادَةٌ في وعيِ الجمَاهيرِ، وإفرازِ أخلاقيَاتٍ لدَى الممَارسِينَ تجاوَزت الهدَفَ النبيلِ إلى الطموح الذاتيِّ.
ومَا ميَّزَ الساحةَ الريَّاضيَةَ في بلادِنَا خِلالَ السنوَاتِ الأخِيرَةِ هوَ الإقبَالُ المتزايد علَى الممارسة الرياضيَةِ بمختلف أنواعها، وأضحَى لزامًا علينَا مواكبَةُ التطورات ِالمطَّردةِ  للرياضَةِ ذاتِ المستوَى العَالِي والتِي أصبحَتْ صناعَةً تتَطلَّبُ استثمَارَاتٍ هامَّةً، في مجَالاتِ مُتعدِّدَةٍ.
إنَّ التربيَةَ علَى المواطنة ليست مَعرفَةً فقط، و لَكن ممارسَةً يجِبُ أن تُلقَّنَ للتلمِيذِ للتفَاعُلِ وَالعيش ِمعًا من خِلالِ أعمَالٍ ملمُوسَةٍ تسمَحُ لهُم ببنَاءِ فضَاءَاتِ المواطَنَةِ.
فالتربية علَى المواطَنَةِ، ليست مَادَّةً أو مُقرَّرًا، يمكِن تَعليمُه وَلكِن يقُوم المدرّسُ بوضْعِ التلمِيذِ مِن خِلالِ أطرٍ أعمَالٍ مهيكَلَة فيِ وضعيَّات تَعلّم، وهوَ الشرطُ الضروريُّ لتحقِيق التربيَةِ علَى المواطَنَةِ.
إذا كَانَ أحدُ أهدافِ الرياضةِ هو اكتشافُ الأنشطَةِ البدَنيَةِ والريَاضيَّة وَالنهُوض بها، نَجدُ أنَّ هنَاكَ هَدفٌ آخَرُ مغْفِلا وَحتَّى منسيًّا وهُو تَعلُّم الحيَاةِ، وهُنا تَبرزُ أهميَةُ التربيَةِ البدَنيَة وَالرياضيَّةِ كوَسيلَةٍ منفردَة في تَنميَةِ الكفاءَاتِ البدَنيَّةِ وَالحركيَّةِ وَمَا يتَّصِلُ بهمَا من قِيمٍ صِحيَّةٍ ونَفسيّةٍ واجتمَاعيَّةٍ وذٍهنيَّةٍ التِي تمكِّنُ الفردَ مِن القيَامِ بواجبِه نحوَ وَطنهِ وَأمّته وَمجتَمعِهِ.

 

رشيد مجدوب، أستاذ التربية البدنية طور الابتدائي.

التعليقات

إضافة تعليق جديد